اتخذ التصعيد السياسي والإعلامي المرتبط بحادثة قبرشمون - البساتين في الجبل وجهاً بالغ الخطورة وينذر بمضاعفات واسعة، بعدما ارتفعت وتيرة التحدي إلى ذروة غير مسبوقة، على وقع دخول رئيس الجمهورية ميشال عون على الخط من خلال كلام نقله عنه زواره واتهم فيه مباشرة الحزب التقدمي الاشتراكي بنصب مكمن لصهره الوزير جبران باسيل في بلدة البساتين، وليس للوزير صالح الغريب، بالتزامن مع نعي بعبدا لكل مبادرات الحلول لازمة الجبل، وتحول المعالجات لتداعيات الحادثة إلى صراع مكشوف على الصلاحيات الرئاسية، بشكل بات يُهدّد التوازنات السياسية والطائفية، ومعها التسوية الرئاسية.
لا جلسة قريبة والكلمة للقضاء
وعلى وقع كل التشنجات الحاصلة يدفع مجلس الوزراء الثمن، حيث أفادت مصادر رسمية مطلعة على موقف رئيس الجمهورية لـ"النهار" ان لا جلسة لمجلس الوزراء قريباً و"الكلمة اليوم هي للقضاء وبعد صدور نتائج التحقيقات يتقرر ما اذا كانت قضية قبرشمون ستحال على المجلس العدلي او على القضاء العادي".
ورأت المصادر ان رئيس الجمهورية "لا يتعدى على صلاحيات رئيس الحكومة، والمادة ٥٣ من الدستور واضحة في الفقرة ١٢، بأن رئيس الجمهورية يستطيع دعوة مجلس الوزراء للانعقاد بالاتفاق مع رئيس الحكومة".
وقالت إنه بعدما حاول الرئيس عون معالجة تداعيات حادث قبرشمون من خلال العمل على خطوط ثلاثة :امن وقضاء وسياسة، كانت نتيجة هذه المحاولات ترك هذه القضية للقضاء ليقول كلمته وعندها يكون لكل حادث حديث.
وأوضحت المصادر "ان الرئيس عون كان يريد دائماً المصالحة وهي كانت بنداً أساسياً "من بنود المبادرة. ولكن اليوم اقفلت كل الفرص والمجالات"، مشيرة الى ان مواقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط "تبدلت بعد لقائه مجموعة سفراء الدول الكبرى".
وخلصت الى أن رئيس الجمهورية، "بعد استنفاد كل الاوراق السياسية وبعدما وافق على الطلبات، يرى اليوم وجوب ان يأخذ القضاء مجراه مع الإشارة الى ان قاضي التحقيق مارسيل باسيل أصدر مذكرات توقيف بحق اربعة مشتبه فيهم".
مؤتمر صحافي للاشتراكي
في هذا الوقت، تتجه الأنظار الى المؤتمر الصحافي الذي سيعقده الحزب التقدمي الاشتراكي ظهر اليوم في مقر الحزب بوطى المصيطبة للحديث عن آخر التطورات المتصلة بهذا الملف. وقال مصدر معني في الحزب لـ"النهار" إنه من المتوقع ان يرفع الحزب سقف المواجهة السياسية والقضائية تحت قاعدة الثوابت التي يركز عليها دائماً رئيس الحزب وليد جنبلاط ولا سيما منها التزام الدستور والمؤسسات واستقلالية القضاء. وقال المصدر إن الحزب سيكشف عناصر جديدة من وجوه التدخل السافر في القضاء العسكري والمحكمة العسكرية لكي تتطابق الاتهامات القضائية مع الاعتبارات السياسية على رغم ان التحقيقات التي أجراها فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي أكدت انه لم يكن هناك مكمن ولا محاولة لاغتيال وزير وان الفريق الآخر هو من باشر اطلاق النار. كما ان الحزب سيثير تساؤلات مريبة عن أكثر من شهر من تعطيل البلد ومن ثم المغزى المحتمل للحديث الطارئ عن تدبير مكمن مزعوم لوزير الخارجية جبران باسيل. واشار المصدر الى ان الحزب سيقوم بكل الاجراءات القانونية وفق الاصول لدى المحكمة العسكرية في ظل ما حصل أخيراً من اقصاء أحد القضاة عن الملف واستدعاء قاض آخر من العطلة القضائية بما يثير الريبة والشكوك.
بعبدا تصعّد
في الاثناء بقيت أجواء بعبدا في مدار التصعيد، وقالت مصادر مطلعة على موقف الرئيس عون لـ"اللواء" ان رئيس الجمهورية مصر على ان يقول القضاء كلمته في حادثة قبرشمون، مشيرة إلى ان كل المبادرات وصلت إلى حائط مسدود، سواء على صعيد رعاية مصالحة بين الحزب الاشتراكي والحزب الديموقراطي، في بعبدا في حضور الرئيسين برّي أو الحريري، والتي كانت واردة ضمن بنود المبادرة الأولى، أو بالنسبة إلى إعادة تحريك العمل الحكومي، كاشفة انه في اللقاء الأخير بين رئيسي الجمهورية والحكومة تمّ الاتفاق على عقد جلسة للحكومة لكن أي دعوة لم توجه.
وفسّرت مصادر سياسية رفيعة المستوى عبر "الأخبار" الكلام المنسوب إلى عون وكأنه ردّ على مبادرة رئيس مجلس النواب للتعبير عن رفضها، ما دفع بري الى الجلوس جانباً بعدَ أن أظهر عون نفسه طرفاً مباشراً في النزاع. وإضافة إلى بري، "استسلم" أيضاً المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي اقترح أكثر من مبادرة في الأسابيع الماضية.
إلى ذلك، استغربت المصادر عبر "اللواء" اتهام جنبلاط للقاضي مارسيل باسيل باللعب بالتحقيق قبل تسلمه مهامه، مشيرة إلى ان فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي هو من تولى التحقيق الأوّلي، وقال المحققون ان أنصار الوزير صالح الغريب اطلقوا النار في الهواء في حين ان عناصر الاشتراكي اطلقوا النار على الموكب، وهناك وقائع وتسجيلات صوتية لأحد الموقوفين يُشير إلى انه جرى تفويضه لقتل المرافق سامر أبو فراج.
وبحسب اوساط مطلعة على اجواء "عين التينة" لـ"الديار"، ان الرئيس بري سيواصل جهوده، على ان يلتقي اليوم الوزير السابق غازي العريضي، وتنطلق مبادرته من اجراء التحقيقات الامنية والقضائية المطلوبة بكل شفافية وانتظار القضاء ليقول كلمته، واتمام المصالحة السياسية لتعزيز المناخ الامني والاستقرار لمواجهة ما تشهده المنطقة من احداث ومخططات لا تبشر بالخير... ويشير زوار عين التينة الى ان بري "يتفهم" موقف الرئيس الحريري من عدم الدعوة الى جلسة للحكومة قبل الحل "السياسي" وذلك خوفا من تكرار ما حدث منذ اسابيع عندما دعا الى عقد جلسة لمجلس الوزراء ولم يحضر اعضاء الحكومة، وتكرار الامر سيكون امرا محرجا جدا لا يمكن للحريري تحمل تبعاته...
وبحسب تلك الاوساط، ثمة إقرار بأن الأمور باتت اكثر "صعوبة" وتزداد تعقيدا وهذا ينذر بمخاطر كبيرة، اذا لم يتم معالجة الازمة قريبا، وهو امر عبّر عنه بري خلال رعايته لمؤتمر الصناعة بالامس بقوله أن "الوضع الحالي الخطير لا يسمح بالتقدم لا في الصناعة ولا في غيرها". وأمل أن يتمكنوا من تجاوز هذا الوضع في أسرع وقت... اما الموقف الاكثر تعبيرا عن حجم "المأزق" الراهن فكان من خلال تصريح رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بعد لقاء بري بالامس حيث اكتفى بالقول ردا على سؤال عما إذا كانت الأمور تتجه إلى الحلحلة: "نحتاج للدعاء".
في المقابل، أوضح مرجع قضائي لـ"النهار" انه ارتؤي أن يتسلم ملف حادث قبرشمون قاضي تحقيق عسكري واحد ليتابع التحقيق فيه الى حين إصدار قراره في صدده، بدل أن يتناوب على هذا الملف أكثر من قاض. وفي السياق، يعود الى قاضي التحقيق العسكري المناوب أن يبدي رأيه في مدى قبوله السير بهذا الملف أو عدمه، فاستقر هذا الملف عند قاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل. وقد أُحضر الموقوفون الأربعة فيه إلى دائرته أمس، فاستمهلوا استجوابهم لتعيين محامين وكلاء عنهم، وقرر القاضي باسيل إمهالهم مدة 24 ساعة لهذا الغرض، وأصدر مذكرات توقيف وجاهية في حقهم سنداً إلى مواد الادعاء. ويُتّخذ إجراء إصدار مذكرات التوقيف لقطع مدة التوقيف الاحتياطي عند تقرير تخلية موقوف أو احتسابها عند صدور حكم.



