ليست الأزمة الناشئة عن حادثة البساتين إلا تتويجا لمسار طويل لم يقف عند حدود تهديد الاستقرار السياسي والأمني والسلم الأهلي في البلاد، بل بلغت مخاطرها ولا تزال الاستقرار المالي المهدد في كل لحظة، والموضوع في عهدة حاكم المصرف المركزي بعدما ترك وحيدا في معركة حمايته، مجرَّدا من دعم المجلس المركزي للحاكمية بفعل تعذر تعيين نواب جدد له يملأون فراغا دخل شهره الخامس.
لمن فاته من السلطة السياسية، يجدر التذكير بأن تعيين نواب جدد لحاكم مصرف لبنان بعد انتهاء ولايتهم في مطلع نيسان الماضي، قد تعطل بسبب الخلاف على النائب الدرزي الثالث، بعدما عارض النائب طلال أرسلان مدعوما من الوزير جبران باسيل إعطاء حق التسمية لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
وكانت القصة بدأت بتدخل باسيل في تعيين النائب الأرمني الرابع تحت مبرر تسمية الممثل المسيحي في الحاكمية. لكنه اصطدم بحزب الطاشناق، بعدما تعذّر تعيين المرشح المطروح بسبب انتمائه الى مذهب الأرمن الكاثوليك، فيما العرف يقتضي ان يكون من الأرمن الأرثوذكس. وقد ذهب باسيل بعيدا في استفزاز الطاشناق عندما طرح أنّ المهم أن يكون ارثوذكسيا، بقطع النظر عما إذا كان أرمنيا أو لا.
تعطلت تسمية النائب الأرمني لتنتهي الى التوافق على التجديد للنائب المنتهية ولايته (هاروت صموئيليان)، ضمن اقتراح التجديد لكل نواب الحاكم، في ظل التفاهم على الإبقاء على النائب الاول الشيعي (رائد شرف الدين) والسني (محمد بعاصيري). برزت المشكلة الدرزية عندما تمسك أرسلان بتسمية النائب الثالث (مرشحه فؤاد ابو الحسن)، مقابل تمسك جنبلاط بمرشحه (فادي فليحان). وظلت المشكلة تجرجر ذيولها من دون التوصل الى توافق حتى تعطلت الجلسات الحكومية، وغاب هذا البند بالكامل عن جدول الاعمال.
وبنتيجة التعاطي الرسمي، يبدو جليا أنّ السلطة السياسية لا تعير أهمية لهذا الموضوع، باعتبار أن الحاكم يتمتع بصلاحيات واسعة بموجب قانون النقد والتسليف تعطيه السلطة في تحديد السياسة النقدية وحماية استقرار النقد. علما ان القانون ناط هذه المهمة بالمجلس المركزي، واعطت المادة 26 الحاكم أوسع الصلاحيات لادارة المصرف وتسيير اعماله، باعتبار انه "مكلّف تطبيق قانون النقد وقرارات المجلس".
واليوم في غياب الاكثرية في المجلس المركزي، تعطلت صلاحيات الحاكمية بسبب تعذر انعقاد المجلس الذي يحتاج الى اربعة من اصل سبعة من أعضائه الذي يضم الى جانب الحاكم ونوابه المدير العام لوزارة المال والمديرة العامة لوزارة الاقتصاد، كما تنص المادة 31 على "أن حضور 4 اعضاء ضروري لصحة المذاكرات. وتتخذ القرارات بأكثرية الاصوات الاعضاء الحاضرين. وفي حال تعادل الاصوات يكون صوت الحاكم مرجحا".
وفيما تتفاقم الازمة الحكومية يوما بعد يوم في ظل التصعيد السياسي غير المسبوق على أكثر من جبهة ومحور، آخرها على جبهة بعبدا- السرايا، في حين تستمر المواجهة الدرزية على اشدها على خلفية حادث البساتين، تبدو مسألة تعيين نواب للحاكم عاصية على الحل راهنا، رغم التحديات التي يواججها الحاكم وحيدا، بعدما بات أسيرا للصلاحيات المنوطة به، حيث يستند حاليا الى قرارات صادرة عن المجلس المركزي، لكنه غير قادر على الاستمرار في هذه الحال إذا لزم الامر الذهاب الى قرارات تتجاوز صلاحياته منفردا (كمسألة الاصدار الخاص لسندات خزينة بـ11 الف مليار ليرة).
وحذرت مصادر مالية متابعة لهذا الملف من مغبة الاستمرار في هذا الواقع في ظل المخاطر والاستحقاقات المالية الداهمة، داعية الى تخطي الاعتبارات السياسية والمعوقات والمناكفات التي حكمت هذا الملف والذهاب فورا الى حل له. وكشفت ان الحلول متوافرة ويمكن اللجوء الى احد الخيارات المطروحة اذا تعذر التوافق على النواب الاربعة، او على التجديد للاربعة الذين خرجوا من الحاكمية.
ويقضي الخيار بالتجديد للنائبين الشيعي والسني ما دام التوافق قائما حيالهما، في انتظار التوافق على النائبين الدرزي والارمني. واهمية هذا الخيار انه يتيح للمجلس المركزي ان يجتمع لأنه يؤمن النصاب القانوني المطلوب، أقله في المرحلة الاستثنائية الراهنة حتى تأمين التفاهم على السلة المتكاملة.
لكنّ دون هذا الخيار عقبتين: الاولى تعذر انعقاد مجلس الوزراء للسير بالتجديد للنائبين الشيعي والسني، فيما تتمثل العقبة الثانية بوقوف قوى سياسية في وجه التجديد لنائبين دون النائبين الآخرين، بحيث يغيب الاثنان عن المجلس المركزي وعن المشاركة في قراراته، علما أن الحل الامثل يكمن في حسم الملف وإقفاله بحيث ينتظم عمل الحاكمية. لكن مثل هذا الحل يتطلب جرأة في تحمل المسؤولية... وليس من يجرؤ!
سابين عويس - النهار



