هل تتحول إسرائيل إلى عبء على أميركا؟

هل تتحول إسرائيل إلى عبء على أميركا؟
هل تتحول إسرائيل إلى عبء على أميركا؟

كتب حلمي موسى في “المدن”:

انتهت قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في تركيا من دون نتائج مدوية على الصعيد العالمي، ولكن بنتيجة جوهرية واضحة وهي تنامي مكانة تركيا وتراجع مكانة إسرائيل. وعلى الرغم من أن المعطيات العسكرية والاقتصادية لم تظهر قفزات تبرر هذا التغيير إلا أن المعطيات السياسية كانت شديدة الوضوح، خصوصاً في تموضع أميركا بين هذين الحليفين المتخاصمين.

ويتسابق المعلقون الإسرائيليون على محاولة قراءة التطورات والعثور على تفسيرات عمق بشأنها، منقسمين على أنفسهم بشأن أولوية آثار الحرب على إيران وغزة ولبنان أم تأثير تراجع مكانة إسرائيل لدى الجمهور الأميركي. وبات السؤال الذي يُطرح بخجل حيناً وبحدة حيناً آخر: هل إسرائيل ذخر لأميركا أم عبء عليها؟ ويرى البعض أن ميل أميركا لبيع طائرات “إف-35” إلى تركيا “يوضح بجلاء أن ميزان المصالح الأميركية في الشرق الأوسط قد تغير: لم يعد أمن إسرائيل الاعتبار الوحيد أو نقطة انطلاق بديهية”.

لقد كانت رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تركيا توحي بأن ما كان بديهياً لعقود بشأن الحفاظ على التفوّق العسكري النوعي لإسرائيل، وأنه نقطة البداية في كل نقاش أميركي حول بيع أسلحة متطورة في المنطقة، قد تغير. ووفق فهم المراسلة السياسية لـِ “معاريف” آنا براسكي، فإن “إسرائيل لا تزال حليفاً وثيقاً، لكنها ليست الاعتبار الوحيد.

إذا يعتبر ترامب أن تركيا أيضاً رصيد استراتيجي يجب إعادته إلى مركز اللعبة”. لذلك تخشى إسرائيل من أن هذا التحول المحتمل في منطلقات السياسة الأميركية، قد يعني أن النظام الإقليمي الجديد سيُبنى أيضاً حول تركيا وليس حول إسرائيل. ويبدو الأمر غريباً لأن الولايات المتحدة كانت الحليف الأهم لإسرائيل لستة عقود. وحتى سنوات قليلة مضت، كان الدعم الأميركي ساحقاً، شبه غير مشروط، ومورداً استراتيجياً هائلاً لإسرائيل.

وبرز ذلك بشكل ما في التقرير الذي نشره الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد في موقع “أكسيوس” نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين رفيعي المستوى، عن أن ترامب أبلغ نتنياهو في مكالمة هاتفية أن على إسرائيل البدء في إعادة نشر قواتها خارج سوريا، وطلب منه أن يفعل الشيء نفسه في لبنان. ووفقاً لتقرير رافيد، قال مسؤول أميركي رفيع المستوى إن ترامب أبلغ نتنياهو أن وجود الجيش الإسرائيلي في الأراضي السورية يُفاقم التوترات وقد يؤدي إلى تصعيد. وأن ترامب قال لنتنياهو: “بيبي، لا يريدونك هناك. عليك إعادة نشر القوات”، مضيفاً أن الأمر نفسه ينطبق على لبنان.

انحياز نتنياهو

يرى أوري تال تيني في موقع “زمان إسرائيل”، أن تآكل مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة يعود إلى نجاح نتنياهو في تحويل الدعم الأميركي من رصيد مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى تبعية شخصية. وخالف بذلك مبدأ الحذر من الانحياز السياسي لأي من الحزبين الذي انتهجه كل رؤساء الحكومات الإسرائيليين الذين تجنبوا التدخل في السياسة الداخلية الأميركية، فتحركات نتنياهو السياسية والدبلوماسية بما فيها خطابه أمام الكونغرس عام 2015 وتقاربه مع الحزب الجمهوري وخلافاته مع إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، مسّت أحد أهم الأصول الأمنية لإسرائيل وأضعفت الدعم الأميركي لها وأدت إلى تسييسه. يضاف إلى ذلك التغييرات في الرأي العام الأميركي وتعاظم الاستقطاب الداخلي وتنامي النزعة الانفصالية داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً في ظل الحرب على إيران.

وقد أصيب كثيرون في الولايات المتحدة، خصوصاً بين الجمهوريين، بخيبة أمل تجاه إسرائيل ونتنياهو، لأن الحربين الأخيرتين مع إيران لم تحققا أهدافهما. وعلى الرغم من بعض الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النووية الإيرانية، أشارت تقييمات استخباراتية أميركية وأوروبية وإسرائيلية إلى أن البرنامج النووي لم يُدمر، وأن النظام الإسلامي لم يسقط ورغبته في الثأر تعاظمت.

وكان الهدف من الحرب في إيران، وفقاً لتصريحات كل من ترامب ونتنياهو، تغيير وجه الشرق الأوسط. لكن في الواقع، ووفق الدكتور شاؤول أربيلي أيضاً في موقع “زمان إسرائيل”، فإن “الحرب على إيران غيرت مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، ومكانة إسرائيل في واشنطن، والسؤال الذي فضّلت المؤسسة الأميركية عدم طرحه علناً: هل لا تزال إسرائيل رصيداً استراتيجياً للولايات المتحدة، أم أنها بدأت بالفعل تُصبح عبئاً؟”، وفي نظره هذه الحرب التي شنت لإضعاف إيران وتعزيز مكانة إسرائيل الاستراتيجية قادت إلى نتيجة عكسية: إيران أقوى مكانة الآن مما كانت عليه في شباط/ فبراير 2026.

ويرى أربيلي إننا نشهد بداية تحولٍ جذري: إسرائيل، التي نُظر إليها لسنواتٍ طويلةٍ كأصلٍ استراتيجي، قد تُصبح تدريجياً عبئاً استراتيجياً. ولن يحدث هذا بإعلانٍ رسمي، ولا بقرارٍ واحدٍ من الكونغرس، ولا بخطابٍ رئاسيٍّ مُثير. سيحدث هذا تدريجياً: ثقة أقل، وتضامن أقل، وصبر أقل، وتساؤلات أكثر حول التكلفة، وشكوك أكبر حول الفوائد. تفقد الدول مكانتها ليس فقط عندما يزداد أعداؤها قوة، بل أيضاً عندما يبدأ أصدقاؤها في إعادة النظر في قيمة الصداقة.

الدعم المشروط

عموماً، تحول الرأي العام الأميركي من دعم شبه تلقائي لإسرائيل إلى دعم مشروط. ويتساءل العديد من الأميركيين، من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، عن التكلفة الاستراتيجية للتحالف مع إسرائيل، ومدى التدخل العسكري المطلوب، وما إذا كانت السياسة الإسرائيلية متسقة مع المصالح الأميركية الأوسع. لذلك ثمة من يرى أن العلاقات الإسرائيلية-الأميركية تدخل مرحلة جديدة: لا انهيار للتحالف، بل انتقال من تحالف متين إلى علاقة أكثر تعقيداً، حيث لا يُعتبر الدعم السياسي أمراً مفروغاً منه، بل يتطلب تبريراً. ومن المتوقع أن يتعزز هذا التوجه في الفترة التي تسبق انتخابات 2028 وبعدها.

ويزداد القلق في إسرائيل من التوتر المتزايد في العلاقات بين الإدارة الأميركية والحكومة لإسرائيلية. وأعرب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق الدكتور إيال حولتا، عن هذا القلق في حديثه مع إذاعة “103fm” حين قال إن “انعدام الثقة الواضح بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، خصوصاً تجاه رئيس الوزراء، بما في ذلك تصريحات الرئيس ترامب التي لم نسمعها من قبل بشأنه، أمرٌ مقلق للغاية لفهم ما يجري حقاً وراء الكواليس”. وأشار إلى أن “الأميركيين هم من صاغوا المفاوضات بين إسرائيل ولبنان. ويبدو أنهم بذلوا كل ما في وسعهم لضمان عدم تراجع إسرائيل عنها. لست متأكداً من أن الولايات المتحدة ستتراجع عن هذا الخط المتفق عليه”.

الرسالة الواضحة

ولا يمكن عدم المرور على الرسالة الواضحة التي توجهها أميركا لإسرائيل ليس فقط عبر ترامب إنما كذلك عبر مرشح ديمقراطي بارز إن لم يكن للرئاسة فعلى الأقل لمنصب وزير الخارجية المقبل في إدارة ديمقراطية، وهو رام عمانويل. وعمانويل ليس مجرد مرشح رئاسي محتمل إنما هو يهودي ابن مقاتل في عصابة الأرغون وابن عائلة صهيونية بدأ حملته في تل أبيب بطريقة: “أصارحكم بحقيقتكم”. إذ تحدث عن الشرخ بين إسرائيل وأميركا وبين أن حكومة نتنياهو لم تخسر فقط أميركا بل خسرت أيضاً يهود أميركا حين أشار إلى أن تأييد اليهود لحاكم نيويورك زهران ممداني أكبر من تأييدهم لنتنياهو.

وفي لقاء مع حشد من الصحافيين الإسرائيليين في القدس، قال عمانويل إن نتنياهو حوّل إسرائيل من دولة ناشئة إلى إسبرطة حديثة تنتصر عسكرياً وتخسر استراتيجياً، وأن أميركا أخطأت في دعمها غير المشروط لإسرائيل. وأضاف “لا يُسمح لأكاديمييكم بالمشاركة في المؤتمرات بالخارج، ولا تتم دعوة فنانيكم إلى الفعاليات الدولية، وتُقام تظاهرات ضد رياضييكم في المسابقات الدولية”. ليخلص: “لقد أصبحتم دولة منبوذة”. وقال: “أنتم مخطئون إن ظننتم أن مشكلة إسرائيل تكمن فقط في الديمقراطيين. المشكلة تكمن في الأميركيين عموماً، ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء، خصوصاً في جيل الشباب”.

ووفق الصحافية تال شنايدر التي حضرت لقاء الصحافيين مع عمانويل، فإنه في ظل الوضع الراهن، حيث لم يعد بإمكان العديد من اليهود الأميركيين استيعاب جنون الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين، ولا يفهمون كيف أصبح رجل مثل بن غفير رمزاً للصهيونية الجديدة، تستمر الحكومة الإسرائيلية بدفن رأسها في الرمال وتفكر بتعالٍ وغرور وانفصال عن الواقع. وفي نظرها يبدو أن سبب زيارته لإسرائيل هو صياغة موقفه الحاد تجاه إسرائيل مبكراً، ليُعيد طرحه خلال الحملة الانتخابية. وتتمثل أبرز تصريحاته في دعوته لوقف المساعدات الأميركية لميزانية الدفاع الإسرائيلية، ودعمه لحل الدول الثلاث والعشرين وفقا للمبادرة العربية، الذي يشمل إسرائيل وفلسطين وجميع الدول العربية، وتوجيهه تحذيراً صريحاً للقيادة الإسرائيلية بشأن تحركاتها في الأراضي المحتلة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق وزير الصحة: الحرب عطّلت خدمات 15% من المستشفيات
التالى قطر: لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان