كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
يدخل لبنان مرحلة سياسية ودبلوماسية جديدة وصعبة مع فتح مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، في لحظة إقليمية تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التحولات الاستراتيجية الكبرى في المنطقة. هذا المسار يُقرأ من خلال شبكة واسعة من مفاهيم القانون الدولي والأدبيات الأممية التي تحدد طبيعة الانتقال من حالة الاشتباك المفتوح إلى صيغ أكثر استقرارًا، تبدأ بوقف الأعمال العدائية ولا تنتهي عند احتمالات التفاهمات الأمنية الأشمل.
مصادر دبلوماسية في بيروت تشير إلى أن “لبنان لا يدخل هذا المسار من موقع رد الفعل أو تحت ضغط الوقائع الميدانية فقط، بل انطلاقًا من تصور قانوني وسياسي متكامل يستند إلى المروحة المعتمدة دوليًا في إدارة النزاعات بين الدول المتخاصمة. فالمسار يمكن أن يبدأ من تثبيت وقف الأعمال العدائية كما نص عليه القرار الدولي 1701، وهو الإطار الذي لا يزال يشكل المرجعية الأساسية لضبط الوضع في الجنوب، ثم يتدرج نحو وقف إطلاق النار بصيغته الأكثر وضوحًا وإلزامًا، وصولًا إلى الوقف النهائي للأعمال العدائية الذي يحمل بعدًا أكثر استدامة ويتجاوز الطابع الموقت للهدن التقليدية”.
وتوضح المصادر أن “هذا التدرج لا يتوقف عند هذه الحدود، بل يمكن أن يصل إلى اتفاق عدم اعتداء، وهو مفهوم قانوني وسياسي يمنع اللجوء إلى القوة ويؤسس لمرحلة جديدة من الضمانات المتبادلة، وصولاً إلى اتفاق أمني أشمل يتضمن ترتيبات أمنية مفصلة وترسيمًا نهائيًا للحدود وكل ما يرافق ذلك من آليات رقابة وضمانات دولية، على غرار النموذج الذي تخوضه سوريا في مفاوضاتها غير المباشرة منذ أشهر، حيث تتقدم الملفات الأمنية والحدودية على أي مقاربات سياسية أخرى”.
في هذا السياق، تؤكد المصادر أن “جميع هذه المراحل، بكل احتمالاتها ومستوياتها، تتضمن عمليًا المطالب اللبنانية التي أعلنها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في خطابه الأخير، والتي باتت تشكل السقف الرسمي للدولة اللبنانية في أي تفاوض مقبل. وفي مقدِّم هذه المطالب الانسحاب الإسرائيلي الكامل حتى الحدود الدولية المعترف بها، بما يعيد تثبيت السيادة اللبنانية الكاملة على الأراضي المحتلة، إضافة إلى ملف الأسرى اللبنانيين الذي يحمل بعدًا وطنيًا وسياديًا لا يمكن تجاوزه، فضلًا عن استكمال تثبيت الحدود بشكل كامل، بما يشمل النقاط البرية العالقة وما يرتبط بها من ضمانات قانونية تمنع إعادة إنتاج النزاع مستقبلًا”.
وترى المصادر أن “الجانب الإسرائيلي يقرأ هذه المطالب من زاوية أمنية بحتة، بينما يحرص لبنان على توسيع الإطار ليشمل البعد الدولي الأشمل، حيث لا يمكن فصل أي تسوية ميدانية عن ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى قراهم الجنوبية، خصوصًا بعد حجم الدمار الكبير الذي خلفته المواجهات الأخيرة. فالتسوية بالنسبة إلى بيروت ليست فقط وقفًا للنار، بل إعادة بناء للدولة والمجتمع في المناطق الحدودية، واستعادة دورة الحياة الطبيعية بما يمنع تحويل الجنوب إلى منطقة انتظار دائمة للحرب المقبلة”.
وتكشف المعطيات أن “لبنان حاضر فعليًا في كل أوراق العمل والتصورات التي يجري تداولها دوليًا، سواء في المقترحات الأميركية أو في المقاربات الأوروبية والعربية، وأنه أعد نفسه لكل طرح قابل للتنفيذ ضمن حدود الثوابت الوطنية. وهذا الحضور لا يعني التسليم بأي صيغة جاهزة، بل الجهوزية للتعامل مع مختلف السيناريوات من موقع صاحب المصلحة والسيادة، لا من موقع المتلقي للضغوط أو الإملاءات”.
وتضيف المصادر أن “المعادلة اللبنانية في هذا الملف باتت واضحة ومعلنة وهي: حتى الحدود الدولية، فإن لبنان يسير وحده ويعتبر أن استعادة كامل حقوقه السيادية مسار لبناني صرف لا يحتاج إلى ربطه بأي ترتيبات إقليمية أوسع. أما ما بعد الحدود الدولية، أي الانتقال إلى صيغ إقليمية أوسع أو تفاهمات استراتيجية تتجاوز الإطار الحدودي المباشر، فهنا يتحرك لبنان ضمن المظلة العربية، وتحديدًا بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، في ضوء الاتفاق الاستراتيجي الكبير الذي تبحثه الرياض مع واشنطن حول مستقبل المنطقة وترتيبات الأمن والاستقرار فيها”.
هذه المقاربة تعكس إدراكًا لبنانيًا بأن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بترسيم خط حدود، بل بإعادة تحديد موقع لبنان داخل الخريطة الإقليمية الجديدة.



