أخبار عاجلة
ما بعد كلام عون ليس كما قبله -
عون حسم مشاركته في المحادثات مع ترامب -
“الحزب” يتحرك على الإيقاع الإيراني -
اجتماع “رئاسي” لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات -
نقمة صامتة داخل البيئة الشيعية -

21 سنة على نهاية زمن الوصاية السورية في لبنان

21 سنة على نهاية زمن الوصاية السورية في لبنان
21 سنة على نهاية زمن الوصاية السورية في لبنان

كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:

خلال مواكبة الصحافيين انسحاب آخر عنصر من الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان من العام 2005، لم نصدّق، نحن مجموعة من الزملاء، أننا فعلاً شهود على نهاية ثلاثين عامًا من الوصاية التي فرضت نفسها على الحياة السياسية والأمنية في البلاد.

لم يكن أحد يجرؤ، قبل هذا التاريخ، على مخاطبة ولو جندي سوريّ. كانت هيبة كلّ ضابط أو حتى عنصر مستمدّة من نظام فرض حضوره بأدوات الاحتلال، وسيطر على القرار السياسي والأمني، ليتمدّد تأثيره حتى على الاقتصاد والمجتمع.

في ذلك اليوم، تروي الزميلة دانييل الخياط من جريدة “النهار” أنها تحدّثت للمرة الأولى مع جنديّ سوري عند نقطة المصنع.

كان الجنديّ آخر من صعد إلى قافلة الشاحنات المحمّلة بالعسكر وعتادهم. أخبرها عن فرحته بالعودة إلى بلاده، بعدما أمضى أشهرًا من دون إجازة بسبب المشقة التي كانت تتطلّبها العودة إلى بلدته البعيدة جدًا عن مكان خدمته في لبنان، وأن هذه كانت فرصته أخيرًا للقاء عائلته.

عندها فقط، تقول الخياط، “اكتشفت أن هذا الجندي يمكن أن يكون “إنسانًا مثلنا”، بعدما كان، بالنسبة لمعظم اللبنانيين، مجرّد تجسيد للاحتلال”. وهذا ما ولّد قناعة بأن لبنان قادر على استعادة علاقة طبيعية مع جارته، متى بقيت سوريا في سوريا ولبنان في لبنان.

انسحاب العسكر لم يترافق مع إنهاء النفوذ

مرّت الأيام، وكان يفترض أن تشكّل آخر مشهدية للشاحنات المحمّلة بالعسكر السوريّ في 26 نيسان، تجسيدًا حقيقيًا لنهاية حقبة احتلاله لبنان. إلّا أن الوقائع سرعان ما كشفت أن انسحاب العسكر لم يكن نهاية لنفوذ سوريا في لبنان. بل برزت المؤشرات باكرًا على استمراره، وإن بوسائل مختلفة.

أبقى نظام بشار الأسد على مواقع عسكرية تأتمر بإمرته بعد 26 نيسان 2005، من خلال الخطوط الحمر التي رسمها السلاح الفلسطينيّ خارج المخيّمات، التابع لـ “الجبهة الشعبية – القيادة العامة”. وقد أعاق هذا السلاح عمل اللجنة الدولية المكلفة التحقق من الانسحاب الكامل حينها، فووجهت مهمة تلك اللجنة بوابل من النيران منعها من دخول معسكر “حشمش” الواقع ضمن أراضي لبنان في سلسلة جبال لبنان الشرقية. هذا في وقت بقيت معسكرات قوسايا الكبرى، وكذلك تلة عين البيضا في كفرزبد، عصية على الشرعية اللبنانية طيلة تلك الفترة، وصمدت كـ “جزر” عسكرية، استخدمها حليف الأسد في لبنان، “حزب اللّه”، سامحًا له بتمرير الرسائل على أكثر من مستوى سياسيّ، داخليّ وإقليميّ.

إلى أن تحوّل المشهد الإقليمي لاحقًا، ولا سيّما عندما اندلعت الحرب في سوريا عام 2011، فأعيد حينها توظيف هذا الامتداد على نحو أمني – لوجستيّ. فوُضعت بعض هذه المواقع في شرقي زحلة أو في بعلبك، في خدمة شبكات الإمداد والدعم اللوجستي لنظام بشار الأسد، وخصوصًا عندما تورّط إلى جانب الأسد في حربه مع معارضيه.

حربان عكّرتا السيادة الكاملة للبنان

وهكذا بدلاً من أن يترسّخ تاريخ 26 نيسان 2005 في الذاكرة الجماعية للبنانيين كتاريخ لتحرّر لبنان من الوصاية السورية، تمامًا كما كان يفترض بالعام 2000 أن يترسّخ تحرّر لبنان من الاحتلال الإسرائيليّ، تورّط “حزب اللّه” بحروب جديدة، أعادت عقارب الساعة إلى الوراء بالنسبة إلى تحرّر جنوب لبنان، ولم تسمح باكتمال فرحة لبنان بانسحاب الجيش السوري من أراضيه.

انخرط “حزب اللّه” مباشرة في حرب بشار الأسد مع معارضيه، محمّلاً لبنان عبء نزوح سوريّ استمرّ أكثر من 13 سنة. ولم ينجح لبنان طيلة هذه الفترة باستعادة العلاقات السياسية الطبيعية مع سوريا. بل أرخت حرب سوريا بثقلها على لبنان، واستجلبت إليه الانقسامات السياسية، على الرغم من الدعوات المتكرّرة لتطبيق قرار مجلس الأمن 1559 بكل مندرجاته.

كان القرار 1559 أوّل تدويل رسميّ للوجود السوري في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. وقد صدر في أيلول 2004 بدفع فرنسي – أميركي مشترك، ونصّ على ثلاثة أمور أساسية: أولاً انسحاب الجيش السوري من لبنان، ثانيًا حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، وثالثًا احترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي.

إلّا أنه، وعلى الرغم من خروج جيش نظام بشار الأسد من لبنان تحت وطأة الضغوط الدولية التي تصاعدت عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم تنجح الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها الكاملة بالمعنى الفعليّ. بل انتقل لبنان إثر الأحداث التي تلت نهاية الوصاية السورية، إلى مرحلة توازن داخلي هش، تداخلت فيها الانقسامات السياسية مع اصطفافات إقليمية متشابكة، واستمرّت تداعياتها، حتى ما بعد اتفاق الدوحة عام 2008.

“حزب اللّه” يبقي لبنان رهينة المحور ومصالحه

وهكذا إذًا، فبدلاً من أن يكرّس انسحاب الجيش السوري نهاية نفوذ الأسد في لبنان، فرض من خلال “حزب اللّه” ديناميات داخلية جديدة، وضعت لبنان من ضمن محور المصالح الإيرانية، بالتكافل والتضامن مع حليفه في سوريا. فغرق لبنان في معادلة “استقواء الدويلة على الدولة”، مع ما رافق ذلك من محاولات لفرض الأمر الواقع عبر تغيير المعادلات، وخصوصًا من خلال الاغتيالات والأحداث الأمنية، ومن بينها ما أعقب العام 2005 من استهدافات لشخصيات سياسية وإعلامية مؤثرة.

لم يشعر لبنان بأنه خرج فعليًا من دائرة التأثير السوري، إلّا مع انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول من العام 2024. فتبيّن أن خروج آخر عسكريّ سوري من لبنان لم يكن كافيًا لتثبيت التحرّر من الوصاية، بل تطلّب ذلك سقوط طاغيتها في الشام، مع ما شكّله ذلك من ضربة قاصمة للمحور الإيراني وأبرز أجنحته في سوريا.

في تلك اللحظة، تلاقى جزء من المزاج اللبناني مع نظيره السوري على أمل طيّ صفحة طويلة من الهيمنة، والتأسيس لمرحلة جديدة تُستعاد فيها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

ومع شروع سوريا بإعادة ترتيب بيتها الداخلي، برزت في لبنان تطلّعات لإعادة بناء علاقة ندّية طبيعية مع محيطه العربي عبر البوّابة السورية، تقوم على المصالح المتبادلة لا على معادلات النفوذ.

وتعزز هذا المزاج مع انتخاب رئيس للجمهورية رفع شعار تطبيق قرارات الشرعية الدولية على كامل الأراضي اللبنانية، وتشكيل حكومة تبنت هذا الخطاب، وباشرت أولى خطواتها بنزع السلاح غير الشرعي من خارج المخيّمات الفلسطينية ومن ثم داخلها. وهي خطوات رمزية أرادت تثبيت حضور الدولة وشرعيتها في مواقع كانت تُعدّ لسنوات خارج سيطرتها المباشرة.

إلّا أن هذا المسار لا يزال محفوفًا بتحدّيات داخليّة وإقليميّة، تجعل من استعادة السيادة الكاملة عملية تراكمية، يتحمّل فيها لبنان، دولة وشعبًا ومؤسّسات وقوى سياسيّة، المسؤولية الأولى في تحصين القرار الوطني، ومنع أيّ تدخل خارجي في شؤونه، عبر تثبيت مرجعية الدولة وحدها في الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، وترجمة ذلك فعليًا في الممارسة لا في الشعارات.

فهل ينجح لبنان وسوريا في الانتقال إلى هذه المرحلة فعلاً؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إسرائيل عن استهداف عين سعادة: “الحزب” يختبئ بين مدنيين!
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام