«الميكانيزم»… خط الدفاع الأخير

«الميكانيزم»… خط الدفاع الأخير
«الميكانيزم»… خط الدفاع الأخير

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

مع ضبابية المشهد الاقليمي ربطًا بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، يستمر لبنان على تمسكه بآلية «الميكانيزم»، بوصفها الإطار العملي الوحيد، القادر على ضبط التوتر جنوبًا، وترجمة الالتزامات الدولية إلى خطوات تنفيذية، وذلك رغم الضغوط الإسرائيلية المتصاعدة للانتقال إلى آلية بديلة، تُقصي الشركاء الدوليين وتحوّل المسار من تفاوض متعدد الرعاة إلى مسار أحادي برعاية أميركية حصرية. ويكتسب هذا التمسك أهمية إضافية بعد غياب الجانب الإسرائيلي عن الاجتماع الأخير للآلية، وهو تطور قرأته أوساط دبلوماسية على أنه نقطة تصب في مصلحة لبنان أمام المجتمع الدولي، إذ يعكس تموضع بيروت في خانة الملتزم بالأطر المتفق عليها، مقابل تعمّد تل أبيب تعطيلها أو القفز فوقها. تستند المقاربة اللبنانية إلى مرجعية واضحة، هي القرارات الدولية لا سيما قرار مجلس الأمن 1701، الذي أنهى حرب عام 2006 بين لبنان وإسرائيل وأرسى وقف الأعمال العدائية برعاية الأمم المتحدة، وتحديدًا عبر قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل»، وبشراكة فاعلة مع باريس وواشنطن. بالنسبة إلى بيروت، لا يمكن فصل أي تفاوض مستقبلي عن التنفيذ الكامل لمندرجات 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية، أي وقف نهائي لإطلاق النار والاعتداءات، انسحاب إسرائيلي إلى ما خلف الخط الأزرق، إطلاق الأسرى، عودة الأهالي إلى قراهم، وترسيخ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. هذه الرؤية الشاملة تعتبر أن الأمن المستدام لا يتحقق بترتيبات موضعية أو موقتة، بل عبر معالجة كل العناصر التي أنتجت التوتر أصلًا.

في المقابل، تشير المعطيات إلى أن إسرائيل تسعى إلى نقل التفاوض إلى صيغة مباشرة، على قاعدة «منتصر ومهزوم»، ومن دون شراكة الأمم المتحدة أو فرنسا، وبحصر الرعاية في الولايات المتحدة مع تغيير مكان الاجتماعات. وتقرأ مصادر متابعة هذا الطرح، بوصفه محاولة للاستفراد بلبنان وإعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسية، بما يتيح لتل أبيب فرض جدول أعمال أحادي النقطة وهو السيطرة الأمنية على منطقة جنوب الليطاني ومنع عودة السكان إليها، بما يحوّلها عمليًا إلى منطقة خالية من الأهالي. وهو طرح تعتبره بيروت مرفوضًا جذريًا، لأنه يتناقض مع القانون الدولي الإنساني، ويصادر حق اللبنانيين في أرضهم، ويحوّل التدابير الأمنية إلى إعادة رسم ديموغرافي قسري تحت عنوان «الضمانات». وتحاجج الدوائر اللبنانية بأن أي مقاربة تختزل الأزمة في «منطقة عازلة بشرية» تتجاهل جوهر القرار 1701 الذي يقوم على توازن التزامات متبادلة وتحت مظلة أممية. فالقرار لا يمنح أي طرف حق فرض ترتيبات أحادية، بل يؤكد دور الدولة اللبنانية جنوب الليطاني، ويدعو إلى احترام الخط الأزرق ومنع الانتهاكات الجوية والبرية والبحرية. ومن هنا، ترى بيروت أن القفز إلى تفاوض مباشر خارج الـ «ميكانيزم» هو بمثابة انقلاب على فلسفة الرعاية الدولية التي ضمنت، طوال سنوات، إدارة النزاع ومنع انزلاقه إلى حرب مفتوحة.

وتؤكد أوساط رسمية أن الشراكة الثلاثية الأممية- الفرنسية – الأميركية، تشكّل شبكة أمان سياسية وقانونية، توازن بين المصالح وتؤمّن رقابة دولية على التنفيذ. كما أن وجود «اليونيفيل» في الميدان يشكل عنصر ردع ورصد وتوثيق، يمنع فرض وقائع بالقوة. وفي هذا السياق، يُقرأ الرهان الإسرائيلي على موعد انتهاء مهام «اليونيفيل» كجزء من استراتيجية أوسع لخلق فراغ رقابي يتيح تمرير أجندات ميدانية بلا حسيب أو رقيب. لذلك، يعمل لبنان وبشكل متواصل مع الدول الشقيقة والصديقة، للبحث في الإطار العسكري، وفق اتفاقيات ثنائية ومظلة حماية لملء الفراغ الذي سينتج عن انتهاء مهام «اليونيفيل» نهاية السنة الحالية للحفاظ على ركيزة من ركائز الاستقرار النسبي، الذي تحقق منذ 2006 قبل أن ينهار في حرب الإسناد ومن ثم حرب الـ 66 يومًا التدميرية. وتخلص القراءة اللبنانية إلى أن المعركة اليوم ليست شكلية حول مكان وطبيعة الاجتماعات، بل سياسية حول مرجعية الحل؛ إما إطار دولي جامع يضمن تنفيذ كل البنود في القرار 1701 واتفاقية وقف الأعمال العدائية ويعيد الاعتبار لسيادة الدولة وحقوق الأهالي، وإما مسار تفاوضي أحادي يختزل الأزمة في مطلب أمني إسرائيلي ويحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لإملاءات القوة. وبين الخيارين، يضع لبنان ثقله الدبلوماسي في خانة «الميكانيزم»، بوصفه أداة تفاوض متوازن، وكخط دفاع أخير عن سيادته ووحدة أراضيه وحق أبنائه في العودة الآمنة إلى أرضهم، ضمن تطبيق كامل ومتوازن للقرار 1701، لا انتقائي أو مجتزأ.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مجلس الأمن يرفع اسم “جبهة النصرة” من لائحة العقوبات
التالى زيلينسكي: ننتظر اجتماعات جديدة لتسوية الأزمة الأسبوع المقبل