وقائع اتفاق “حافة الهاوية”: هل تفجره إسرائيل من طهران للبقاع؟

وقائع اتفاق “حافة الهاوية”: هل تفجره إسرائيل من طهران للبقاع؟
وقائع اتفاق “حافة الهاوية”: هل تفجره إسرائيل من طهران للبقاع؟

كتب منير الربيع في “المدن”:

التسريبات كانت متصلبة ومتشنجة. المواقف كانت متناقضة. لكن أعصاب المفاوضين بقيت مشدودة، وأريدَ استنزافُ الوقت حتى نهايته، تجنباً لإنهاء اليوم التفاوضي الطويل من دون وضع إطار معين، لا سيما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد وضع سقفاً زمنياً للوصول إلى اتفاق. إنها المفاوضات على حافة الحرب التي لا يريدها أحد سوى إسرائيل، لكنها حرب يمكن أن تندلع في أي لحظة. حجم التناقض انعكس على دول الجوار التي تراوحت التقديرات فيها بين الوصول إلى اتفاق وبين حتمية المواجهة. جلسات التفاوض الطويلة، اتخذت أكثر من شكل: تفاوض غير مباشر بداية، بعدها انضم رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما عقد لقاء بين ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نهاراً، وذلك بهدف أن يبلغ ويتكوف عراقجي بأن مسار التفاوض كما هو لا يبدو إيجابياً وهو مخيب للآمال. في المساء أيضاً شهدت الجلسة أشكالاً متعددة بما فيها التواصل المباشر بين عراقجي وويتكوف، ومراجعة كلا الطرفين لإدارتيهما.

في التسريبات، كانت المواقف متباعدة جداً. فإيران أشارت إلى حصر التفاوض بالنووي فقط ورفع العقوبات. بينما الولايات المتحدة الأميركية سرّبت شروطاً قاسية جداً من بينها تفكيك مواقع تخصيب النووي، والتخلي عن الصواريخ. أما في الداخل ووفق ما تكشف مصادر مواكبة، فإن المفاوضات كما في الجولات السابقة شملت كل الملفات مع التركيز على أن يكون الاتفاق في مرحلته الأولى حول النووي وبعده الانتقال إلى الملفات الأخرى. في مواجهة التصلب السياسي والاستنفار الإعلامي والعسكري، كان الطرفان يصران على الوصول إلى اتفاق لتجنب الحرب. قارب الإيرانيون التفاوض بإيجابية، وأعربوا أكثر من مرة عن نيتهم تحصيل الاتفاق. في الجولة الثالثة التي عقدت في المساء، أصر الإيرانيون على الوصول إلى اتفاق إطار وإن لم يتم الوصول إلى الاتفاق النهائي.

بالنسبة إلى طهران، الأساس هو في تثبيت النقاط التي تم الوصول إليها، حول الملف النووي:

أولاً أن تكون التنازلات بالملف النووي مرتبطة بالموافقة الأميركية على رفع العقوبات والبحث في آلياتها. فالبحث بالنسبة إلى إيران حول رفع العقوبات، فإن البداية تنطلق من رفع العقوبات التي تم فرضها بسبب إصرار إيران على المضي قدماً في هذا المشروع. رفع هذه العقوبات ستعيد فتح الأسواق العالمية أمام النفط الإيراني، بينما تطالب طهران بإدخالها ضمن نظام السويفت والسماح بالتحويلات المالية. إذ هناك 120 مليار دولار مجمدة في المصارف العالمية، وتريد إيران استعادتها. كما أن هناك 200 مليون برميل عائمة في البواخر تريد أن تتمكن من بيعها في السوق.

ثانياً، ترفض إيران تصفير تخصيب اليورانيوم، أما موافقتها على وقف التخصيب تكون مرتبطة بالمدى الزمني لحين ترميم المنشآت.

ثالثاً، تتمسك إيران في المرحلة اللاحقة بالتخصيب على أراضيها، بنسبة 3.6 بالمئة، بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع عدم الممانعة لمشاركة أميركا في الإشراف ضمن كونسورتيوم دولي.

رابعاً، ترفض إيران إخراج اليورانيوم المخصب بنسبة عالية، وتطرح خفض نسبة تخصيب هذه الكميات. بينما بعض الوسطاء طرحوا إمكانية شراء هذا اليورانيوم، بما يعني ذلك العودة إلى ما كان ينص عليه اتفاق عام 2015، علماً أنه بخروج ترامب من الاتفاق عام 2018 توقفت أميركا عن شراء اليورانيوم الإيراني.

في المقابل كانت الشروط الأميركية تنص على:

أولاً، إصرار من قبل واشنطن على وقف تخصيب اليورانيوم.

ثانياً، إخراج الكميات من اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، مع طرح إخراجها إلى الولايات المتحدة الأميركية. مع عدم ممانعة إخراجها إلى روسيا.

ثالثاً، إصرار أميركي على التفاوض حول الصواريخ البالستية وقد طرحتها في كل الجولات التفاوضية.

رابعاً، لم تشأ واشنطن توضيح مسار رفع العقوبات من دون الوصول إلى اتفاق كامل حول الملفات المختلفة وليس فقط النووي.

 

وفيما يتمسّك الأميركيون بالبحث في ملف الصواريخ البالستية، ترفض طهران تضمين أي تفاوض حول النووي ملف الصواريخ، وهي تصر على تجزئة الملفات، وتحقيق الاتفاق النووي وبعده ينتقل البحث في الملفات الأخرى بما فيها المشروع البالستي. وتؤكد المصادر أن إيران ترفض التفتيش الدولي على البرنامج الصاروخي، لكنها تبدي استعداداً لخفض مدى الصواريخ لأقل من ألفي كيلومتر.

 

إسرائيل في المرصاد

لكن ملف الصواريخ هو المشكلة الأكبر بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين يرفضون تمسك إيران ببرنامجها الصاروخي وتسعى إلى تدميره، بينما طهران تطرح الوصول إلى تفاهمات إقليمية مع دول المنطقة حول برنامجها الصاروخي، بالإضافة إلى العرض على الأميركيين أن تكون هذه الصواريخ دفاعية فقط ولا تستخدم لأهداف هجومية، مع تعهد الإيرانيين لإرساء الاستقرار في المنطقة.

 

عدم اعتداء

أبدت إيران الاستعداد لتقديم تنازلات لا تظهرها بموقف ضعيف أو استسلامي، أما ترامب فهو يريد اتفاقاً يحتوي على صورة استسلامية لإيران ليخرج ويقول إنه حقق ما يريده من أهداف من دون استخدام القوة العسكرية. في الموازاة كان الأميركيون يعززون من قواتهم العسكرية، ويكثفون الضغط العسكري تمهيداً لحصول ضربة عسكرية تفاوتت الآراء بشأنها داخل الإدارة الأميركية بين من اعتبرها ضربة هدفها دفع إيران للرضوخ للشروط، بينما هناك رأي يشير إلى عملية عسكرية كبرى يمكن أن تؤدي إلى إسقاط النظام أو تدخل المنطقة في مواجهة عسكرية طويلة.

 

وانطلاقاً من سعي الطرفين للوصول إلى اتفاق، طرحت أفكار كبيرة من بينها التعاون الاقتصادي والاستثمارات الأميركية في إيران بحال رفع العقوبات، بالإضافة إلى إعادة طرح فكرة “معاهدة عدم اعتداء”. وعليه اختتمت جولة التفاوض الثالثة، أعلن وزير خارجية عمان عن تحقيق تقدم، على أن يتشاور وفدا التفاوض مع المسؤولين في بلديهما على أن يعقد الاجتماع المقبل في فيينا على المستوى التقني، وهذا يعني البحث بالأمور التقنية المتعلقة بالنووي وكيفية خفض مستوى التخفيض وأجهزة الطرد المركزي، والآلية الرقابية التي يفترض أن تعتمدها المنظمة الدولية للطاقة الذرية. مصادر إيرانية تؤكد أن الجولة الثالثة انتهت بشكل إيجابي ويمكن أن يبنى عليه للوصول إلى اتفاق، إلا إذا كان هناك نوايا مبيتة. وتعتبر المصادر الإيرانية أن الوفد الإيراني بقي متمسكاً بالتخصيب داخل إيران ولن يتم تسليم اليورانيوم المخصب.

 

حبس أنفاس

بذلك دخلت المنطقة في مرحلة حبس أنفاس عملياً، ولا أحد بإمكانه الحسم بوجهة الأمور وما يمكن أن يحصل قبل الجولة المقبلة، خصوصاً أن إسرائيل كانت تدفع باتجاه شن عمليات عسكرية ضد إيران بمجرد فشل المفاوضات حول الصواريخ. كل الدول المجاورة لإيران اتخذت إجراءاتها تحسباً لحصول تطورات عسكرية متسارعة أو واسعة. لبنان تلقى عدداً من الرسائل والنصائح بضرورة ضبط الوضع على أراضيه وعدم السماح لحزب الله بالانخراط في أي حرب أو مواجهة لأن ذلك سيؤدي إلى تداعيات خطرة جداً وتدميرية على البنى التحتية المدنية. كما أن لبنان قرأ على نحوٍ سلبي جداً مسألة تغيب الوفد العسكري الإسرائيلي عن اجتماع لجنة الميكانيزم وهو ما يُعتبر رسالة إلى وقف التفاوض وقد تكون تمهيداً لتوسيع العمليات العسكرية ضد الحزب، وهو ما يحصل بشكل متدرج في البقاع، وسط معلومات أنه في حال اندلعت الحرب فإن التركيز الإسرائيلي في الغارات سيكون على البقاع الذي يُعتبر أنه يحتوي على مخزون صاروخي كبير للحزب.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تجميد المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل
التالى زيلينسكي: ننتظر اجتماعات جديدة لتسوية الأزمة الأسبوع المقبل