"زفت يا حبيبي زفت"، كان هذا هو عنوان هذا المقال، قبل عقد إجتماعي القصر أمس، وقول الرئيس نبيه بري "إن ما حصل إنجاز"، وقبله قول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ان "الوضع توب"، وفي الواقع ان مجرّد عقد الإجتماعين والحديث عن "المصارحة والمصالحة" وفتح الجدران المقفلة في وجه الحكومة، يدفعني كما دفع معظم اللبنانيين الى القول:
فاجأتونا والله، كثّر الله خيركم وشدّ من أزركم، وأثبتكم على ما توصلتم اليه من تفاهم ومصارحة، ومحاولة لإحياء تلك الدولة المعطلة، التي كانت قد صارت جثة لم يكن ينقصها سوى الدفن في "قبر" شمون.
لم يكن غريباً حتى بعد ظهر أمس، ان نسأل ماذا بقي من التسوية السياسية التي أنهت فراغاً رئاسياً إستمر عامين ونصف العام؟ عملياً لم يبقَ شيء، والأدهى أننا كنا في تعطيل الحكومة على مفارق حساسة وحاسمة ومصيرية، ليس لجهة تسليك الطريق أمام مشاريع "مؤتمر سيدر"، الذي ينصحنا البعض بنسيانه، لأن الدول المانحة ليست غبية لتلقي أموالها في هذا الحريق السياسي المتأجج الذي يضع لبنان على حافة فتنة أو انفجار لا سمح الله.
الرئيس سعد الحريري كان قد قال قبل اسبوعين كلاماً مسؤولاً: عندما تهدأ النفوس نعقد مجلس الوزراء لأن عقده الآن مغامرة قد تنسف الحكومة، فعسى ان تكون هدأت [هدّأ الله بالكم]، ولهذا عندما يسافر من جديد وسفره هذه المرة قد يطول بسبب العطل، فإن ذلك يعني اننا لن نكون في قبضة سياسة التعطيل التي لا علاقة له بها، وهو مهندس التسوية السياسية التي تحدثنا عنها، ما لم تحصل معجزة تفتح الباب على حل في اللحظة الأخيرة!
لكننا سنسمع غداً كثيراً من قرع الطبول المحمومة ضد الحريري، لأنه سيجتمع مع وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، بعد صدور ذلك البيان الأميركي الصريح والمباشر، الذي وضع علامات إستفهام وشكوك كثيرة حول مسار التعامل مع حادث قبرشمون، ولكننا نأمل ونصلي ان تنتهي الإشتباكات السياسية العنيفة بين القوى السياسية، التي تفاهمت على "التسوية السياسية"، التي جاءت بالرئيس عون الى بعبدا، وقد باتت الآن تحتاج الى تسوية سياسية، لا تبدو في المتناول!
كان الخلاف العاصف بين العهد و"التيار والوطني الحر"، والحزب التقدمي الاشتراكي الى تأجج، وهذا لا يحجب الخلاف الذي قام حول ما ينص عليه الدستور لجهة صلاحيات الرئيسين عون والحريري، حيال عقد مجلس الوزراء وجدول أعماله، وكل هذا لا يمكن طبعاً ان يحجب الجمر الذي يغفو تحت العلاقات بين الرئيس نبيه بري و"التيار الوطني الحر".
على الجبهة المارونية السعيدة ما يجري من إحتدام بين العهد والتيار والدكتور سمير جعجع وحزب "القوات اللبنانية"، يعيد الأمور الى "ما قبل قبل قبل" اتفاق معراب، فمن اين يمكن الإهتداء الى تسوية للتسوية المتهالكة، رغم ما يقال عن صمودها الذي يشبه صمود هذا الشعب البائس جداً!
وكالة التصنيف الدولية "ستاندارد اند بورز" وجّهت خمسين سؤالاً الى لبنان عن الوضع الحكومي والاستقرار، والمراسيم التطبيقية، والنزوح والعقوبات، والرؤية اللبنانية للتطورات الإقليمية، وكأنها لا تعرف الأجوبة، لكن المهم الآن لا ان ينضمّ العالم كله إلينا بالتصفيق لكم، بل المهم ألا يأتي تصنيفها سلبياً، فيكون فاتورة يدفعها الاقتصاد اللبناني، وقت كان السياسيون منهمكين في تهديم البلد بالخلافات والسرقات طبعاً!
راجح الخوري - النهار