مع تورط رئيس الجمهورية ميشال عون علنا في قضية الكمين- المؤامرة في قبرشمون ، من خلال الموقف الذي ادلى به لـ"النهار" مساء الاحد، حيث تجاوز عمل المؤسسات الأمنية المولجة التحقيق، ومعه السلطة القضائية التي ما فرغت من دراسة الملف، يكون الرئيس قد غادر مربع الموقع الذي يفترض فيه ان يلتزمه حصرا، كحكم وحكيم يجمع بين اللبنانيين ولا يفرق، ويكون فيه عنصر مصالحة، وربما "شيخ صلح" (وما العيب في ذلك) وليس عامل شقاق في ما بينهم. ما فعله الرئيس عون الذي كنا ننتظر منه ان يخلع عنه البزة المرقطة التي كان يلبسها أيام الحرب السوداء التي كان احد أطرافها البارزين، ان عاد من خلال تورطه المعلن في قضية اتخذ فيها موقع الطرف الذي يطلق النار على الآخرين بدل ان يلعب دور الاطفائي الذي يخمد نيران، يمكن القول انه كان مسؤولا عنها بشكل غير مباشر عبر صهره ووارثه المعلن الذي صار اشبه بفتنة متجولة في ارجاء لبنان، ليس في الشوف وعاليه فحسب، بل من أقاصي الشمال الى البقاع وغيرها من المناطق، يجول في المناطق والبيئات المختلفة مسيحية وإسلامية على حد سواء، مستظلا عباءة الرئيس، وحاملا سيف الكلام المستفز المقيت، والعراضات المسلحة الرسمية المرافقة التي ما وفرت منطقة من مشهد بشع، والأهالي في المناطق المعنية يشهدون على هذا النمط السيئ من الحملات السياسية التي يقوم بها وارث يستعجل الإرث.
غادر عون الموقع الذي كان عليه ألا يغادره، عندما ترك بطانته تذهب بعيدا في استخدام أدوات السلطة والتسلط للضغط على القضاء، ومحاولة تحريف التحقيقات التي قامت بها أجهزة أمنية تتمتع بقدر كبير من الحرفية والمهنية. وبات معلوما أن التحقيقات ما شفت غليل البطانة، وربما الرئيس نفسه، فحصل ما يعيدنا بالذاكرة الى مرحلة سوداء من مراحل الوصاية الاحتلالية السورية، والنظام الأمني اللبناني – السوري المشترك.
غادر الرئيس موقعه كحكم، قبل ذلك عندما سمح لرجل الفتنة المتجولة بين المناطق والبيئات أن ينبش القبور، ويثير الأحقاد، ويبث في كل مكان خطاب كراهية وحقد وعنصرية، كل ذلك تحت عباءة الرئيس الذي أطلق عليه أنصاره عند انتخابه لقب "بيّ الكل"، فجاءت أفعال البطانة والورثة لتقلص الأبوّة المزعومة وتحشرها ضمن دائرة الاهل والبطانة.
غادر الرئيس موقعه المعنوي المفترض كبيرا، يوم أطلق العنان لشراهة البطانة والمستظلين عباءة الرئاسة في كل شأن عام، من انتخابات، الى تعيينات، فتشكيلات حكومية وغيرها، وسعى في سابقة تاريخية في لبنان، ما كان على الآخرين ان يقبلوا بها، بهرطقة الحصتين الحكوميتين، واحدة للرئيس والأخرى لحزب الرئيس، كل ذلك في الوقت الذي اطلق الرئيس بنفسه معركة خلافته وهو ما زال في العام الأول من ولايته.
لقد غادر الرئيس موقع القوة المعنوية الرئاسية، وهي صاحبة الحصانة الوطنية لكونها تتربع في أعلى السلطة في البلاد، ليتبين للكثيرين- ومن خلال الأداء في الكمين – المؤامرة في قبرشمون وما تبعه، ان "بي الكل" لا يزال عالقا فوق تلة "الـ٨٨٨"! فمن تراه ينزله منها؟
علي حمادة - النهار



