دُفعت قضية حادث الجبل الى أقصى التصعيد والتعقيد حين عُطّل انعقاد مجلس الوزراء، كما لو أن المراجع المعنية لم يكفِها سقوط قتيلين لتحتوي الأزمة بكل جوانبها، بل وجدت فرصة لتطويع الدولة والقضاء في عملية الأخذ بالثأر. وبدا الكشف عن استهداف جبران باسيل إضافة الى منهج تسييس تصاعدي يعجّز الوسطاء وأصحاب المبادرات، ويواصل البحث عن "غنيمة" ما لقاء إطلاق الدولة الرهينة من الأسر.
في سياق البحث عن حلول كان هناك مَن يسعى الى مكاسب من الجثث، سواء في مسألة الصلاحيات أو في إعادة النظر في مواد دستورية، غير مبالٍ بالتداعيات على التوازن الوطني أو على "تسوية رئاسية" يبدو أن أحد طرفَيها قد نسيها أو أنها كانت في الأصل فخّاً وما على الطرف الآخر سوى أن يتكيّف معه. ذاك أن بعض الكلام الإنشائي الجميل عن "اتفاق الطائف" لا يشكّل بالضرورة التزاماً بالدستور المنبثق منه. فالممارسات تنمّ عن ميل شديد الى التسلّط وليس الى المشاركة، ولذلك جاء الاتصال للطلب الى رئيس الحكومة الدعوة الى جلسة لمجلس الوزراء بلهجة "أمر" من الرئاسة الأولى الى الرئاسة الثالثة، وبنيّة قلب للأدوار، فمَن عطّل الجلسات أصبح آمراً بعقدها بأجندته، ومن دون أن يساهم في "تنفيس الاحتقان" أو يخفّف الشحن اليومي والاصطفاف الصراعي بين إحالة الحادث أو عدم إحالته على المجلس العدلي.
لا جديد في شأن التجاذب حول القضاء سوى أنه أصبح أكثر انكشافاً ووقاحة. كانت فظاظة نظام الوصاية السوري عرّضت القضاء اللبناني لأكبر الإساءات بغية "سورنته"، وورث "حزب الله" عنه أساليب الترهيب والتهديد للقضاة، ولا مجال للمراهنة على حلفاء "الحزب" في استعادة استقلالية القضاء بدليل التنافس المسبق على مَن يحمل حقيبة العدل، والتنازع على من يتولّى هذا الملف أو ذاك. هنا أيضاً سمع اللبنانيون كلاماً رسمياً مطمئناً عن سلطة القضاء، لكنهم رأوا في الممارسات ما يدعو الى الفزع. نعم، مفزعةٌ هذه المأسسة للتلاعب شبه العلني بالقضاء. كان سمير جعجع السياسي الوحيد الذي شرح للناس أن العلّة في المجلس العدلي هي في اختيار المحقق العدلي وإمكان برمجته مسبقاً لاعتبار حادث الجبل خطراً على الأمن القومي، وبالتالي لاستهداف وليد جنبلاط شخصياً.
مشكلة مستغلّي حادث الجبل أن تربّصهم بجنبلاط انكشف ولم يعد بإمكانهم العودة الى الوراء، وأن ارتباطهم العضوي بثأرية النظام السوري انكشف أيضاً ويُلزمهم بتحقيق انجاز ما. أما الأزلام الذين يستخدمونهم فانكشفوا أكثر وأصبح التراجع مؤذياً لمستقبلهم - إذا كان لهم مستقبل، وأما المضي في الاستغلال فيجازف بتحدّي طائفة الموحّدين الدروز وبالتالي كسر الميثاق الوطني لا كسر جنبلاط. يبقى مسعى الرئيس نبيه بري هو الأسلم، إذ يتضمّن "مصالحة" تسهّل مهمة القضاء، لكن "الحزب" و"التيار" ودمشق لا يرون مصلحة في المصالحة.
عبد الوهاب بدرخان - النهار



