فمنذ حادثة قبرشمون، التي لم تستطع "العبقرية اللبنانية" حتى الساعة إيجاد حل لها، تتوالى الأزمات والتعقيدات، الواحدة تلو الآخرى، إذ أنه كلما تمّ رفع حجر من حجار "الشطرنج" عن الطاولة اللبنانية يظهر من تحته عقرب، وكأن اللبنانيين لم يكفهم ما يعانونه جرّاء موازنة "التهمت" ما في جيوبهم من قروش بيضاء مخبأة ليومهم الأسود (ليش بعد في أسود من هيك)، حتى أتاهم ما يعكّر عليهم بعضًا من الجو الوفاقي بين بعضهم البعض، وقد تمثّل ذلك بإثارة موضوع المادة 80 من الموازنة، التي تحفظ حق الذين نجحوا في مباريات مجلس الخدمة المدنية، وقد صودف أن أكثرية الناجحين هم من المسلمين، وذلك بسبب عدم تقدم أعداد كافية من المسيحيين، وهذا ما أثار حفيظة شريحة واسعة من اللبنانيين على كافة المستويات وذلك نتيجة الظلم اللاحق بما يقارب الـ 400 من المواطنين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم إجتهدوا ونجحوا في مباريات مفتوحة أمام الجميع.
وقد أسُتتبع ذلك بإرسال رئيس الجمهورية رسالة إلى رئيس مجلس النواب مطالبًا فيها بدعوة الهيئة العامة إلى الإنعقاد لإعطاء تفسير واضح للمادة 95 من الدستور، وقد حُدّد موعد لهذه الجلسة في 17 تشرين الأول، وذلك إفساحًا في المجال أمام الجميع لمعالجة الموضوع بروية وحكمة، لأن وضع البلد المتشنج اليوم لا يسمح بمناقشة هذه المادة الحساسة، وذلك خوفًا من أن ينعكس ذلك على مسار الأمور، خصوصًا أن الجميع من دون إستثناء يقفون على أعصابهم المتشنجة.
وهنا يطرح البعض سؤالًا عن مفهوم الشراكة الوطنية، وماذا كان حصل لو صودف أن أغلبية الناجحين هم مسيحيون، مع العلم أن ثمة مشكلة أساسية لدى المسيحيين لجهة تحفيزهم على الإنخراط في مؤسسات الدولة. وهذه المشكلة تترافق مع مشكلة التفاوت في العدد بين المسلمين والمسيحيين، إذ أنّه وبغضّ النظر عن دقّة الإحصاءات التي تمّ نشرها أخيرًا، وتلك التي تُنشر بين الحين والآخر، فإنّ لوائح الشطب الخاصة بالإنتخابات البلديّة والنيابيّة لا تُخطئ، وهي تُظهر بوضوح الخط التراجعي لنسبة العدد الإجمالي للمسيحيّين من كل المذاهب، مُقارنة بالعدد الإجمالي للمُسلمين، حيث باتت تبلغ 30,6 % في مُقابل 69,4 % للمُسلمين. وبحسب البيانات الخاصة بنسبة الولادات الجديدة، والتي تُظهر بدورها فوارق كبيرة لمصلحة المَذهبين الشيعي والسنّي، فإنّ حجم المسيحيّين مُرشّح للتقلّص أكثر فأكثر خلال السنوات والعُقود القليلة المقبلة.
هذا الواقع دفع "التيّار الوطني الحُرّ" إلى فتح معركة استباقيّة، لضمان التوازن الطائفي في البلاد، إن لم يكن ببنود مكتوبة فأقلّه عبر الأعراف المُتبعة وعبر تعهّدات علنيّة. فعين "التيّار" ليست على الملاك الوظيفي فحسب، والذي يُشكّل جزءًا صغيرًا وثانويًا من الأهداف المُنشودة، حيث أنّ الهدف الأساسي والرئيسي، يتمثّل بحفظ حُقوق الطائفة المسيحيّة في انتخاب مُمثّليها أيّا يكن قانون الانتخابات المُعتمد.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر فإن طلب رئيس الجمهورية من رئيس الحكومة دعوة مجلس الوزراء إلى الإنعقاد قد زاد الأمور تعقيدًا، إلى حدّ توجه أحد الوزراء المحسوبين على تيار مسيحي إلى رئيس الجمهورية بالقول: "بدل ما تكسرلا أجرا كشا"، غامزًا من قناة الوزير جبران باسيل، الذي هو من يعطّل الجلسات الحكومية، على حدّ قوله.



