أخبار عاجلة
ما جديد التحقيقات في ملفّ متفجرات “الحزب”؟ -
تحذير إلى “الحزب”: لا تخطئوا في الحسابات! -
زحمة دبلوماسيّة في بيروت… ما الهدف منها؟ -
ارتفاع حصيلة ضحايا الأمطار الغزيرة في إسطنبول -
أوروبا في مرآة الشارع: حين يتآكل المجتمع قبل الدولة -
الخليج يهتزّ… والارتدادات مُقلقة -
هل يُمدَّد لـ”اليونيفيل”؟ -

أوروبا في مرآة الشارع: حين يتآكل المجتمع قبل الدولة

أوروبا في مرآة الشارع: حين يتآكل المجتمع قبل الدولة
أوروبا في مرآة الشارع: حين يتآكل المجتمع قبل الدولة

كتبت د. بولا ابي حنا في “نداء الوطن”:

تكشف الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في 17 تشرين الأول، وما رافقها من أعمال عنف ونهب في مدينة ميلانو الإيطالية، عن أزمة تتجاوز حدود المطالب المعيشية أو الخلافات السياسية الآنية. فالشارع الأوروبي، الذي طالما مثّل مساحة للتعبير عن الحقوق والمشاركة الديمقراطية، بات يعكس تصدّعات أعمق في العلاقة بين المواطن والدولة، وبين التحولات الاجتماعية المتسارعة وقدرة المؤسسات على استيعابها.

في فرنسا، تداخلت المطالب المرتبطة بغلاء المعيشة وأوضاع التعليم والشعور بالتهميش مع غضب سياسي واجتماعي متراكم. وفي إيطاليا، بدأت تحركات احتجاجية على ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية بصورة سلمية، قبل أن تنزلق مجموعات إلى أعمال تخريب واشتباك مع الشرطة. وبين المشهدين، تبدو المفارقة واضحة: قد تكون المظالم جدية ومشروعة، لكن مشروعيتها لا تمنح العنف شرعية، كما أن إدانة التخريب لا تعفي السلطات من مسؤولية فهم الأسباب التي تدفع الناس إلى الشارع.

ليس من الدقة اختزال هذه الاضطرابات في عامل واحد، سواء أكان اقتصادياً أم سياسياً أم ديموغرافياً. فالأزمات الاجتماعية لا تنشأ عادة من سبب منفرد، وإنما من تراكم عوامل تتفاعل فيما بينها: تراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الفوارق، والشعور بانسداد الأفق، وضعف الاندماج، وتنامي الإحساس لدى فئات مختلفة بأنها تتحمل كلفة التحولات من دون أن تشارك في تحديد اتجاهاتها. وعندما تعجز السياسة عن تحويل هذا الاحتقان إلى نقاش عام وحلول قابلة للتنفيذ، يصبح الشارع ساحة لتفريغ الغضب، وقد يتحول من وسيلة ضغط ديمقراطي إلى مساحة للفوضى.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الهجرة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش الأوروبي. فالتعامل معه بين الإنكار الكامل للمشكلات المرتبطة بالاندماج، وتحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات الاجتماعية، يضع النقاش في مسارين متناقضين لا يساعد أي منهما على فهم الواقع. الهجرة ليست تفسيراً جاهزاً لكل اضطراب، كما أن تجاهل تحديات الاندماج والتفاوتات الثقافية والاجتماعية وضغط الخدمات العامة لا يبدّد المخاوف، وإنما يتركها عرضة للاستثمار السياسي.

المطلوب هو التمييز بين الإنسان المهاجر، الذي يتمتع بحقوقه وكرامته، وبين السياسات العامة التي ينبغي إخضاعها للتقييم والمساءلة. فالدولة مسؤولة عن إدارة الحدود، وتنظيم الإقامة، وتطبيق القانون، وتوفير شروط الاندماج، وضمان تكافؤ الفرص. وهي مسؤولة أيضاً عن معالجة الفقر والتهميش والتمييز، أياً تكن هوية المتضررين. أما تحويل جماعة كاملة إلى متهم جماعي، فيستبدل البحث عن الحلول بصناعة الخصوم.

تستثمر تيارات اليمين المتشدد هذا القلق، فتقدّم الهجرة أحياناً باعتبارها تهديداً وجودياً للمجتمع، وتربط بين الاختلاف الثقافي وانهيار الأمن أو ضياع الهوية. ويعبّر خطاب دونالد ترامب المعروف بقصة «الأفعى» عن هذا النوع من التصوير الذي يحوّل الغريب إلى خطر كامن. غير أن الخطاب الذي يختزل المهاجر في صورة تهديد لا يعالج أسباب التوتر، وإنما يعمّق الاستقطاب ويمنح الخوف دوراً يتجاوز الوقائع. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بإدانة هذا الخطاب من دون معالجة المخاوف الفعلية لدى المواطنين يترك المجال مفتوحاً أمام انتشاره.

وتكشف هذه التحولات أيضاً أزمة في التمثيل السياسي؛ فحين تفقد الأحزاب التقليدية قدرتها على ترجمة المطالب الاجتماعية إلى سياسات ملموسة، تتسع المسافة بين المؤسسات والشارع، وتجد الشعبوية فرصتها لتقديم إجابات بسيطة عن أزمات معقدة. عندها، لا يعود التحدي محصوراً في استعادة النظام العام، وإنما يمتد إلى استعادة الثقة بالديمقراطية نفسها، وإثبات أن المؤسسات قادرة على الإصغاء والمحاسبة والتغيير.

من هنا، لا تكمن المسألة في الاختيار بين الانفتاح والانغلاق، وإنما في قدرة الدولة على إدارة التحول الاجتماعي وفق قواعد واضحة وعادلة. فالتعددية تحتاج إلى مؤسسات قوية، والاندماج يحتاج إلى سياسات عملية، والتعايش يحتاج إلى ثقة متبادلة. وحين يشعر المواطن بأن القانون لا يطبّق بالتساوي، أو أن الخدمات العامة تتراجع، أو أن صوته لا يجد طريقاً إلى القرار، يصبح أكثر استعداداً لتصديق التفسيرات التي تقدّم له خصماً واضحاً ومسؤولاً واحداً عن أزماته.

ولبنان ليس بعيداً عن هذه الأسئلة، وإن اختلفت ظروفه عن الظروف الأوروبية. فالتوازنات الديموغرافية، والهجرة الواسعة، والنزوح، وأزمات الاقتصاد والخدمات، وضعف الثقة بالدولة، تجعل إدارة التحولات السكانية والاجتماعية مسألة تتصل مباشرة بمستقبل الكيان السياسي. وقد أظهرت التجربة اللبنانية أن غياب السياسات العامة الواضحة يترك القضايا الحساسة رهينة التجاذب الطائفي والمزايدات، فيما تتراجع قدرة المؤسسات على إنتاج حلول مستدامة.

إن من حق اللبنانيين مناقشة أثر التحولات السكانية في سوق العمل والخدمات العامة والتوازنات الاجتماعية، كما أن من واجب الدولة وضع سياسات قانونية واضحة، وحماية الحقوق، ومنع التمييز، وتحمّل مسؤولياتها تجاه المواطنين والمقيمين. فالتجاهل لا يصنع استقراراً، والتخويف لا ينتج سياسة، وترك الملفات الكبرى للمزايدات يوسّع الهوة بين المجتمع والدولة.

الدرس الأوروبي الذي يستحق التأمل هو أن تماسك المجتمعات لا يُقاس بقدرتها على ضبط الشارع وحده، وإنما بقدرتها على منع تراكم المظالم، وإدارة الاختلاف، وصون الثقة بالقانون والمؤسسات. فالدولة التي تؤجل الأسئلة الصعبة قد تجد نفسها أمام انفجارات يصعب احتواؤها، والمجتمع الذي يبحث عن متهم بدل البحث عن الأسباب يغامر بتفكيك ما تبقى من روابطه المشتركة.

في النهاية، ليست المشكلة في أن تتغير المجتمعات؛ فالتغير سمة التاريخ. المشكلة في أن تتسارع التحولات فيما تبقى المؤسسات أسيرة العجز والإنكار، أو أن يتحول القلق المشروع إلى أداة لتغذية الكراهية. وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل أوروبا، كما يتحدد مستقبل لبنان: إما إدارة واعية للتغيير تحفظ القانون والكرامة والتماسك الاجتماعي، وإما ترك المخاوف تتراكم حتى يصبح الشارع مرآة لدولة فقدت قدرتها على الإصغاء قبل أن تفقد قدرتها على الحكم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق هل يُمدَّد لـ”اليونيفيل”؟
التالى قتيلان بحادث إطلاق نار داخل مستودع في فرجينيا