أخبار عاجلة
“صيغة الإطار” لا تكفي: لبنان يدخل معركة التفاصيل -
تحذير أوروبي حول مخزونات الغاز -

“صيغة الإطار” لا تكفي: لبنان يدخل معركة التفاصيل

“صيغة الإطار” لا تكفي: لبنان يدخل معركة التفاصيل
“صيغة الإطار” لا تكفي: لبنان يدخل معركة التفاصيل

كتب داود رمال في نداء الوطن:

في السياسة، أخطر ما في الاتفاقات ليس ما تقوله، بل ما تتركه للمرحلة التالية. وهذا تحديدًا ما ينطبق على “صيغة الإطار” التي جرى التوصل إليها في لبنان، فهي، في جوهرها، ترسم العناوين الكبرى ولا تنجز التسوية بكاملها. لذلك انتقل المسار سريعًا من تثبيت الإطار السياسي إلى روما، حيث بدأت المعركة الحقيقية، معركة التفاصيل، أي تحويل المبادئ إلى آليات تنفيذية قابلة للحياة، وخصوصًا في الشق العسكري المتصل بالانسحاب الإسرائيلي المتدرج.

المشكلة أن التجربة السابقة كانت كافية لإظهار أن الاتفاق السياسي، مهما بدا واضحًا، لا ينتج آليًا اتفاقًا تنفيذيًا. اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 كان واضحًا في خطوطه العامة، لكن التنفيذ كشف أن كل بند سياسي يخفي وراءه سلسلة من الأسئلة العسكرية والميدانية التي لا يمكن تركها للتفسير. من هنا، فإن ما يجري الآن ليس إعادة تفاوض على الإطار بقدر ما هو محاولة لمنع تكرار الفجوة بين ما يُتفق عليه سياسيًا وما يمكن تطبيقه على الأرض.

والانسحاب المتدرج تحديدًا لا يمكن أن يبقى عبارة سياسية، إنه عملية عسكرية تحتاج إلى جدول مراحل، وحدود جغرافية، وآليات تحقق، وتنسيق ميداني، وضمانات تمنع كل طرف من استخدام المرحلة الانتقالية لإعادة فرض وقائع جديدة. ولذلك فإن الاجتماع العسكري المرتقب في تامبا في العشرين من الشهر الجاري يبدو، في هذا السياق، أكثر أهمية من أي بيان سياسي قد يصدر قبله أو بعده. فهناك، عمليًا، يفترض أن تتحول التسويات السياسية التي جرى إنتاجها في روما إلى خرائط وآليات ومواعيد.

العامل الأكثر تأثيرًا في هذه المرحلة هو الاندفاعة الأميركية، فوجود فريق عسكري أميركي قادر على العمل بالتوازي في بيروت وتل أبيب أعطى الوساطة وظيفة مختلفة عن الوساطات السياسية التقليدية. الأميركي هنا لا يحاول فقط تقريب وجهات النظر، بل يقوم عمليًا بترجمة الخلافات السياسية إلى حلول عسكرية قابلة للتنفيذ، وهذا يفسر الوصول إلى تسويات وسطية في عدد من النقاط التي كانت تبدو عالقة، ويجعل الاختبار الحقيقي الآن في قدرة واشنطن على تحويل هذه التسويات إلى التزامات لا يستطيع أي طرف التنصل منها بسهولة.

لكن العقدة الأساسية تبقى في إسرائيل، فإذا قرر بنيامين نتنياهو الذهاب إلى عمل عسكري كبير، فلن يكون السؤال عندها عن تفاصيل الاتفاق، بل عن مستقبل المسار كله. لأن أي عملية واسعة لن تكون حادث أمني يمكن احتواؤه، وإنما قد تعيد ترتيب المعادلات التي يجري بناؤها حاليًا، مما يستدعي طرح سؤال بديهي وهو هل تملك الإدارة الأميركية، فعلا، القدرة والرغبة في وضع حدود للحركة الإسرائيلية، أم أن هامشها سيبقى محكومًا بموازين السياسة الإسرائيلية الداخلية؟

ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح اليمن احتمالا أكثر دلالة، فإذا كان المطلوب تفريغ فائض القوة الإسرائيلية من دون نسف المسار اللبناني، فقد تتحول الساحة اليمنية إلى مساحة للاشتباك بدلا من لبنان. وليس المقصود هنا نقل المعركة جغرافيًا فحسب، بل تحويل الإنجاز العسكري إلى رأسمال سياسي. فإذا استطاع نتنياهو تقديم نفسه باعتباره شريكًا في مواجهة الحوثيين، فقد يحاول الاستثمار في هذا الدور خليجيًا وإعادة فتح الباب أمام ملف العلاقات مع السعودية واتفاقات ابراهام. فالقاعدة التي تحكم هذا النوع من السياسة واضحة، وهي أن العملية العسكرية لا تكون غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإنتاج مكسب سياسي في مكان آخر.

في المقابل، فإن لبنان الرسمي يسعى الى مرحلة مختلفة، مرحلة حصر العمليات العدائية بدل توسيع الاشتباك، وحتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، قد يكون التركيز على إعادة الإعمار والتنمية في المناطق النموذجية الأولى، من زوطر الغربية إلى فرون، لأن المطلوب ليس فقط منع الحرب، بل إنتاج واقع يجعل الاستقرار أكثر كلفة على من يريد تقويضه وأكثر فائدة للسكان والدولة.

لكن كل ذلك يبقى مرحلة انتقالية، فالانتقال من التهدئة إلى اتفاق سياسي أوسع، حتى لو جرى تحت مظلة عربية، يصطدم بشرط لبناني أساسي وهو الانسحاب الإسرائيلي الكامل. لا يمكن بناء تسوية سياسية مستقرة فوق واقع عسكري يبقي جزءًا من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية. ولذلك فإن الانسحاب ليس بندًا من بنود الاتفاق المقبل، إنه البوابة التي لا يمكن تجاوزها للوصول إليه.

وفي الجهة المقابلة، لا يمكن أن يبقى السلاح خارج الدولة هو المبرر الدائم لاستمرار التدخل الإسرائيلي. وهنا تصبح التجربة العراقية ذات دلالة سياسية، لأن انتقال الفصائل من منطق الاحتفاظ بالسلاح بحجة استمرار التهديد إلى البحث في تسليمه للدولة يعني أن تغيير البيئة الإقليمية يمكن أن يسقط تدريجيًا الذرائع التي قامت عليها المعادلات القديمة.

لبنان إذًا يقف أمام معادلة دقيقة وهي أن إسرائيل مطالبة بالانسحاب، والدولة اللبنانية مطالبة بتعزيز احتكارها للقرار الأمني والعسكري، والولايات المتحدة مطالبة بتحويل نفوذها إلى ضمانات تنفيذية. وبين هذه الشروط الثلاثة تتحدد طبيعة المرحلة المقبلة.

لهذا السبب، فإن “صيغة الإطار” ليست نهاية المسار، بل بدايته الحقيقية. فالسياسة نجحت حتى الآن في رسم الباب، لكن الجيش والدبلوماسية والضمانات الدولية هي التي ستحدد ما إذا كان هذا الباب سيفتح فعلًا، أم سيبقى إطارًا جديدًا لتأجيل الأزمة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اشتباك بين الجيش ومهرّبين في عرسال
التالى قتيلان بحادث إطلاق نار داخل مستودع في فرجينيا