كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
ما كاد رئيس الجمهورية يتقدم بطعن أمام المجلس الدستوري بالمادة الثالثة من قانون “إعادة هيكلة المصارف” حتى شُنّت عليه حملة سياسية الطابع، تتهمه تارة بالطائفية، وتصوّره طورًا بالوقوف في وجه الإصلاح المصرفي، وإعادة المسار إلى نقطة الصفر. بيد أن هذه الحملة تمسي هشة ومفتقرة إلى الجدية والإقناع بالنظر إلى أن خطوة الطعن تعد من صميم صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية.
فوق ذلك، لم يتناول الطعن القانون برمته، إنما انحصر بمادة واحدة بسبب التباس نشأ عن اختلاف جوهري بين الصيغة التي كانت تقدمت بها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي وقتها، والصيغة التي أقرها المجلس النيابي أواخر آب الماضي. فالمشروع الأول تضمن عبارة صريحة “مع مراعاة قانون النقد والتسليف ولا سيما المادة 70 منه”، قبل أن تختفي من النص النهائي.
قد تبدو المسألة بمثابة عارض تقني بسيط يمكن تجاوزه لدى من يريد اختزال عملية معقدة مثل الإصلاح المصرفي في عناوين سياسية مبتسرة، غير أن الأمر أعقد من ذلك. وهذا ما دفع بالفريق القانوني في بعبدا إلى رفع توصية للرئيس جوزاف عون بالموافقة على القانون وإصداره، والطعن بمادته الثالثة فقط، لأنها تتحدث عن وضع إطار قانوني حديث يتلاءم مع المعايير الدولية، ويعزز الاستقرار المالي، ويعالج تعثر المصارف، ويحمي الودائع، ويحد من استخدام الأموال العامة في إنقاذ المصارف، لكنها حذفت الإشارة الصريحة إلى “قانون النقد والتسليف”.
وبدل أن ينصب النقاش على هذه النقطة جرى قلب المعادلة ليصوّر الطعن نفسه هو المشكلة، ويتحول رئيس الجمهورية إلى موقع الاتهام. هكذا يجري الطعن بالطعن حيث يترك المضمون جانبًا، ليُسبك اتهام سياسي مغلف بإطارات شعبوية.
والأكثر تضليلا هو تحميل بعبدا مسؤولية عرقلة رد الودائع بذريعة أن المجلس الدستوري قد يتوسع في دراسة القانون ويبطل الكثير من مواده. فيما الأصل أن مسألة تحديد الخسائر وتوزيعها، والتي صيّرت “قميص عثمان” للإتجار السياسي، لا يحسمها “قانون إعادة الهيكلة”، بل تشريعات أخرى تعدّها الحكومة، وفي مقدمها “قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع”. وبالتالي فإن اختزال مسار الإصلاح المصرفي بالطعن في مادة وحيدة يرمي لتحويل المسألة إلى أداة ضغط على رئيس الجمهورية لتقييد قدرته على ممارسة صلاحياته.
يمكن بالطبع مناقشة توقيت الطعن، وهذه هي النقطة الأكثر جدية في ظل التعهدات التي قدمها لبنان لـ “صندوق النقد الدولي” بإقرار القانون ضمن مهل محددة. لكن ثمة فارقًا بين القول أن التوقيت ربما يترتب عليه كلفة سياسية أو تفاوضية، وبين تحويل ممارسة صلاحية دستورية إلى دليل إدانة. المفارقة أن رئيس الحكومة نفسه لم يطلب من عون التراجع عن الطعن، ولم يتعامل مع الخطوة بوصفها تدخلا في عمل الحكومة، إدراكًا منه بأنها من صلاحيات رئيس الجمهورية، وهو ما أبلغ به زوراه وسائليه.
أما من يرى أن المشكلة تكمن في اتساع صلاحيات حاكم مصرف لبنان، والتي تفسح المجال أمامه ليصير “ديكتاتورًا ماليًا”، ووفي ظل مقبولية الطرح جماهيريًا بعد تجربة رياض سلامة، فإن المعالجة تكون بتعديل “قانون النقد والتسليف” نفسه. ناهيكم أنه جرى التوافق أصلا على تخريجة تشكيل “الهيئة العليا المصرفية” لتكون بغرفتين، وبصلاحيات تتماشى تقريبًا مع طلبات الحاكم، في تأكيد على موقعه ودوره في عملية تنظيم المنظومة الرقابية.
وبالتالي لماذا يصبح الرئيس جوزاف عون مدافعًا عن أمر جرى الاتفاق عليه؟
إذذاك يتجاوز الطعن بالطعن السجال حول مادة قانونية، ليرتدي لبوس حرف النقاش نحو مساءلة النوايا. وعوض المعركة الشعبوية الطابع التي تتبناها بعض الأصوات التغييرية “لغاية في نفس يعقوب”، فإن مدار الالتباس الأصلي حيال العبارة المحذوفة هو وجود بصمة احتمالية لـ “حزب الله”، تتصل بسياق أوسع يرتبط بإعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي والمالي، وتحويل قانون إعادة هيكلة المصارف إلى ساحة من ساحات إعادة ترسيم موازين القوى لحقبة ما بعد السلاح.



