“اتفاقية مكة”… بوليصة تأمين ضدّ فشل الدبلوماسية

“اتفاقية مكة”… بوليصة تأمين ضدّ فشل الدبلوماسية
“اتفاقية مكة”… بوليصة تأمين ضدّ فشل الدبلوماسية

كتبت بولا أبي حنا في نداء الوطن:

أحيانًا تكشف التحالفات التي تبنيها الدول ما تخشاه أكثر مما تكشف ما تريده. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاتفاقية الدفاعية التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة، لا بوصفها اتفاقية عسكرية جديدة فحسب، بل باعتبارها مؤشرًا إلى تحوّل في التفكير الأمني الإقليمي، عنوانه الاستعداد للسلام والحرب في آن واحد.

في 7 آب، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك تقوم على مبدأ أن أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا، مع آليات للتشاور والتنسيق الدفاعي، وإنشاء لجنة وزارية وأمانة عامة مقرها السعودية. ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاقية بأنها، “من الناحية التقنية”، تماثل المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي.

لكن المقارنة تحتاج إلى دقة. فالمادة الخامسة لا تعني دخول جميع أعضاء “الناتو” الحرب بالطريقة نفسها، وإنما تعتبر الهجوم على عضو هجومًا على الجميع، وتترك لكلّ دولة تحديد الإجراء الذي تراه ضروريًا، بما فيه استخدام القوّة المسلّحة. أمّا اتفاقية مكة، فما زالت في مرحلة بناء مؤسساتها، ولذلك فإن التشابه يكمن في مبدأ الدفاع الجماعي، لا في البنية المؤسسية والعسكرية لـ “الناتو”. غير أن أهمية الاتفاقية تكمن قبل كل شيء في من وقّعها وفي توقيتها، وهنا تبرز باكستان.

فإسلام آباد كانت، في الفترة نفسها تقريبًا، تؤدي دورًا دبلوماسيًا بين الولايات المتحدة وإيران، وتشارك في جهود تسهيل الحوار وخفض التصعيد، فيما رحّبت السعودية بالدور الباكستاني في الوساطة. ثمّ دخلت باكستان في مظلّة دفاع جماعي مع السعودية وتركيا. وهذه المفارقة تكشف أن إسلام آباد لا تبدو بصدد الاختيار بين الوساطة والردع، بل تحاول امتلاك الاثنين معًا. فالدولة التي تتوسط بين خصمين لا تستطيع أن تفترض نجاح التسوية دائمًا، ولذلك تبني في الوقت نفسه قدرة على التعامل مع احتمال فشلها. ومن هنا، يمكن فهم “اتفاقية مكة” بوصفها نوعًا من التأمين الاستراتيجي: الرغبة في السلام، ولكن من موقع لا يقوم على الضعف.

ولا يعني ذلك أن الاتفاقية موجّهة تلقائيًا ضد إيران. فقد شدّد المسؤولون الأتراك والباكستانيون على طابعها الدفاعي وعدم استهدافها دولة بعينها. لكن الاتفاقيات الدولية تُقرأ أيضًا من خلال أثرها في توزيع القوّة وحسابات الردع. فعندما تتفق ثلاث دول على أن الاعتداء على إحداها يعني الاعتداء عليها جميعًا، ترفع كلفة أي هجوم عليها، وتصبح حسابات الخصم أكثر تعقيدًا.

وتجمع الصيغة الجديدة ثلاثة مصادر مختلفة للقوّة. فالسعودية تضيف ثقلها الاقتصادي والمالي وموقعها الجيوسياسي، وتركيا تضيف جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متقدّمة وعضوية في “الناتو”، فيما تضيف باكستان خبرة عسكرية واسعة وموقعًا استراتيجيًا، فضلًا عن كونها دولة نووية.

لكن “اتفاقية مكة” لم تنشئ هذه العلاقات من الصفر. فقد وقّعت السعودية وباكستان في أيلول 2025 اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل، التي نصّت على أن أي عدوان على إحداهما يُعدّ عدوانًا على الأخرى. كما عمّقت تركيا وباكستان شراكتهما الدفاعية، ووقّعتا، في شباط 2025، مجموعة واسعة من الاتفاقات ومذكرات التعاون، بينها التعاون في الحرب الإلكترونية والتدريب والصناعات الدفاعية. كذلك، تطوّرت العلاقات التركية – السعودية في السنوات الأخيرة نحو التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا. لذلك، فإن “اتفاقية مكة” تُمثّل نقلة من علاقات ثنائية متوازية إلى إطار دفاعي ثلاثي.

وهنا تظهر المفارقة العربية. فالعالم العربي يمتلك، منذ عام 1950، “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي”، التي تنصّ على أن العدوان المسلّح على دولة متعاقدة يُعتبر عدوانًا على الدول الأخرى، وتلزمها بتقديم المساعدة، بما فيها استخدام القوّة المسلّحة. أي إن مبدأ الدفاع الجماعي ليس جديدًا على المنطقة. لكن الفارق بين النصّ والقدرة كان دائمًا مشكلة أساسية؛ فالمطلوب ليس وجود المعاهدة فقط، بل القدرة على تحويلها إلى التزام عسكري فعّال ومؤسسات قادرة على اتخاذ قرار سريع. ومن هنا يمكن فهم “اتفاقية مكة” بوصفها محاولة لبناء دائرة أمنية أصغر وأكثر مرونة، تجمع دولًا لديها مصالح متقاطعة وقدرات قابلة للتكامل. ولذلك، فإنّ وصفها بأنها “ناتو إسلامي” يبقى مبكرًا، بينما تبدو المقارنة مع المادة الخامسة مفيدة لفهم الانتقال إلى مفهوم الدفاع الجماعي.

واللافت أن هذه الدول لم تتحرّك أمنيًا فقط. فالسعودية وتركيا وباكستان ومصر تحرّكت أيضًا في إطار “R4″، الذي يجمع هذه الدول للتشاور حول القضايا الإقليمية. ورحّبت الدول الأربع في حزيران بالتفاهم بين الولايات المتحدة وإيران وبجهود خفض التصعيد، في وقت كانت باكستان تقوم بدور الوسيط. وهنا تتّضح الصورة الأوسع: مسار للتهدئة ومسار للردع يتحرّكان بالتوازي. وهذا لا يُمثّل بالضرورة تناقضًا، بل يعكس انتقال المنطقة من “إدارة الأزمات” إلى “إدارة المخاطر”. فإدارة الأزمة تعني التحرّك بعد وقوع الانفجار، أمّا إدارة المخاطر فتعني بناء شبكات سياسية وأمنية واقتصادية قبل وقوعه، وعدم وضع الأمن الوطني في سلة واحدة.

وتبدو باكستان الحالة الأكثر وضوحًا لهذا التحوّل. فهي تريد الحفاظ على علاقتها مع إيران، وشراكتها الدفاعية مع السعودية، وتعاونها مع تركيا، وقنواتها مع الولايات المتحدة. إنها تحاول بناء استقلال استراتيجي يمنحها هامشًا أكبر للمناورة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. لكن لهذه السياسة حدودها. فالوسيط يستطيع الحفاظ على هامش حركته ما دام يحتفظ بمسافة من أطراف النزاع، في حين قد تضيق هذه المسافة عندما يصبح جزءًا من تحالف دفاعي. وإذا اندلعت مواجهة إقليمية واسعة، فستُختبر قدرة باكستان على الجمع بين دور الوسيط ودور الحليف.

مع ذلك، لا يعني بناء الردع التخلّي عن الدبلوماسية، بل قد تكون الرسالة الأهمّ أن الدبلوماسية تحتاج أحيانًا إلى الردع كي تكون أكثر فاعلية، وأن التفاوض من موقع قوّة يختلف عن التفاوض تحت ضغط الضعف. وهذا التحوّل لا يخصّ باكستان وحدها. فتركيا، رغم عضويتها في “الناتو”، تبني شراكات أمنية إقليمية مستقلّة، والسعودية تنوّع مصادر شراكاتها الاستراتيجية، فيما تبدو مصر حاضرة في الترتيبات الإقليمية الجديدة. وهكذا تتشكّل شبكة من التحالفات المتقاطعة، لا تقوم على اصطفاف دائم، بل على مزيج من المصالح والردع والوساطة.

غير أن تعدّد هذه الشبكات يحمل وجهًا آخر؛ فقد يزيد القدرة على الردع، لكنه يجعل أي أزمة أكثر قابلية للتمدّد إقليميًا إذا تشابكت الالتزامات الدفاعية. لذلك، فإنّ أهمية “اتفاقية مكة” لن تُحسم عند توقيعها، بل بما سيأتي بعدها: مدى توسّعها، واحتمال انضمام دول أخرى، وقدرتها على الانتقال من الالتزام السياسي إلى التعاون العسكري، والأهمّ من ذلك، قدرة أعضائها على الحفاظ على التوازن بين الردع والدبلوماسية.

في النهاية، لا يبدو أن المنطقة تبني تحالفات لأنها تريد الحرب، بل لأنّها لم تعد واثقة من أن الدبلوماسية وحدها قادرة على منعها. إنها تستعدّ للاحتمالين معًا: نجاح التسوية وفشلها. وهنا تصبح باكستان مفتاح فهم المشهد الجديد. فهي لا تختار ببساطة بين إيران والسعودية، ولا بين واشنطن وطهران، ولا بين الوساطة والتحالف، بل تحاول أن تتحرّك في أكثر من دائرة في الوقت نفسه.

وقد يكون هذا بداية نموذج جديد للأمن الإقليمي: تحالفات مرنة، وردع متبادل، ووساطات متوازية، واستعداد دائم لاحتمال فشل التسوية. فالسؤال لم يعد متعلّقًا فقط بمَن تقف معه باكستان، بل بمدى قدرتها على أن تبقى وسيطًا عندما تصبح، في الوقت نفسه، حليفًا. وفي هذا المعنى، قد تكون “اتفاقية مكة” أقلّ ارتباطًا بالاستعداد للحرب من ارتباطها بحقيقة أكثر عمقًا: أن الدبلوماسية نفسها بدأت تتحرّك في ظلّ احتمال فشلها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مجلس الوزراء يقر 6 رواتب إضافية لموظفي القطاع العام
التالى الجيش الأميركي يكثّف إجراءاتها البحرية ضد إيران