أخبار عاجلة
إيران تعلن إعادة 5 سفن في مضيق هرمز -
الذهب يرتفع مع انخفاض أسعار النفط -
قراءة في تهديدات “الحزب”… هل ينفذ؟ -
الضياع يثقل مستقبل عائلات جنوب لبنان -
الميليشيا تهدد بخطف المطار -
خطة أميركية لاقتحام منشآت إيران النووية -

قراءة في تهديدات “الحزب”… هل ينفذ؟

قراءة في تهديدات “الحزب”… هل ينفذ؟
قراءة في تهديدات “الحزب”… هل ينفذ؟

كتبت جوسلين البستاني في “نداء الوطن”:

ليست التهديدات التي يطلقها قادة “حزب الله”، وآخرها ما صدر عن عضو المجلس السياسي محمود قماطي، هي الحدث الأبرز بحد ذاتها. حتى تلك التي تصل إلى درجة التلويح بعدم بقاء أي طائرة تهبط في لبنان أو أي سفير في بيروت، لا تكمن أهميتها في حدتها، بل في ما تكشفه عن طبيعة المرحلة السياسية التي يمر بها لبنان.

فالتهديد ليس دليلا على القوة بالضرورة. وفي ظروف معينة، قد يكون اللجوء إليه مؤشرًا إلى تراجع فاعلية أدوات التأثير التقليدية. والسؤال الأهم لم يعد ما إذا كان “حزب الله” يرفع سقف خطابه، بل ما إذا كان لا يزال يمتلك القدرة نفسها التي امتلكها سابقًا على تحويل هذا الخطاب إلى نتائج سياسية ملموسة.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، شكّلت الحرب النفسية أحد أبرز أعمدة الاستراتيجية السياسية لـ “حزب الله”. وقد بنى منظومة إعلامية شديدة الانضباط، تقوم على صناعة السرديات وتوحيد الرسائل وإعادة إنتاجها عبر قياداته ووسائل إعلامه وحلفائه، بهدف تشكيل الإدراك العام، وترسيخ شرعية خياراته، وفرض مقاربته بوصفها الإطار المرجعي للنقاش السياسي في لبنان.

لكن البيئة التي نجحت فيها هذه المنظومة تغيرت اليوم. والأهم أن الدولة تبدو أكثر تمسكًا بمبدأ حصرية القرار السيادي، وأكثر استعدادًا للمضي في خياراتها. وهذا التحول أعاد تعريف طبيعة الطرف الذي يخاطبه “حزب الله”. فلم يعد الأمر يتعلق فقط بجمهور يمكن التأثير في مواقفه، بل بمؤسسات رسمية تسعى إلى إعادة تثبيت سلطتها الدستورية واستعادة مساحة من القرار الوطني.

في هذا السياق، تكتسب تهديدات قماطي معناها الحقيقي. فهي لا تبدو محاولة لإقناع اللبنانيين بصواب موقف سياسي، بقدر ما تبدو محاولة لرفع كلفة تمسك الدولة بقراراتها. وهنا ينتقل الخطاب من الحرب النفسية إلى “التواصل الإكراهي” (coercive communication)، أي التواصل الذي يسعى إلى فرض الامتثال، ليس عبر استخدام القوة الفعلية، بل عبر التهديد باستخدامها أو فرض كلفة مرتفعة. والهدف هو دفع الخصم إلى تغيير سلوكه وعكس مسار قائم يتمثل، في هذه الحالة، في توجه الدولة اللبنانية نحو ترسيخ حصرية القرار السيادي.

وهذا التحول ليس جديدًا في تجربة “حزب الله”، إلا أن دلالته اليوم مختلفة. ففي أيار 2008، ترافقت التهديدات مع استخدام فعلي للقوة في بيروت، وانتهى المسار باتفاق الدوحة. وفي كانون الثاني 2011، تُرجمت التهديدات السياسية إلى إسقاط حكومة . في كلتا الحالتين، لم يكن “التواصل الإكراهي” مجرد خطاب، بل كان مدعومًا بقدرة واضحة على تحويل التهديد إلى فعل، ومن ثم إلى نتيجة سياسية.

أما اليوم، فالسؤال هو ما إذا كان “حزب الله” ما يزال يمتلك القدرة نفسها على تحويل هذا الخطاب إلى نتائج مماثلة، في ظل الخسائر التي مُني بها خلال المواجهتين مع إسرائيل عامي 2024 و2026؟

في الواقع، تحمل صياغة التهديد وما رافقها من حرص على القول إن هناك “أساليب كثيرة وسلمية” مفارقة لافتة. فهي ترفع سقف التصعيد، لكنها تتجنب الإيحاء بقدرة فورية على فرض النتيجة، على خلاف ما كان عليه الخطاب في عامي 2008 و2011. فضبط مستوى التهديد يشير إلى أن أدوات الضغط فقدت فاعليتها

ولعل الرسالة الأهم لا تكمن في ما قيل، بقدر ما تكمن في “الطريقة التي اضطر صاحبها إلى قوله بها”. ففي السياسة، تعرفون حدود قوتهم من طريقة تهديدهم. وحين يضطر “حزب الله”، الذي اعتاد فرض إرادته عبر تهديد مدعوم بقدرة تنفيذية، إلى الجمع بين التهديد والتطمين والانتظار، فإن ذلك يمثل مؤشرًا إلى تراجع فاعلية أدوات الإكراه التي اعتمد عليها، وإلى تحول تدريجي في ميزان القوة. وقد أصبحت الدولة، في ظل هذا التحول، أكثر قدرة على مقاومة الضغوط، رغم أنها لم تحقق حتى الآن تقدمًا جوهريًا في تنفيذ التزامها بحصر السلاح.

ولعل هذا التغير في نبرة “حزب الله” يرتبط أيضًا بالضغوط المتزايدة المرتبطة بهذا الملف. فالقضية تحظى بمتابعة أميركية وعربية، ولم تعد مجرد مطلب سياسي قابل للمساومة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بإعادة الإعمار، والمساعدات الدولية، والدعم المالي، وعودة لبنان إلى المنظومتين المالية والدبلوماسية الإقليمية والدولية. يُضاف إلى ذلك استمرار تلويح إسرائيل بإمكان استئناف العمليات العسكرية إذا رأت أن الاتفاق يُخرق أو أن تنفيذه يُعرقل.

سواء كانت هذه الرسالة موجهة إلى الدولة لرفع كلفة المضي في مسار حصرية السلاح، أو إلى إيران نفسها، بوصفها رسالة التزام في مرحلة إعادة تموضع إقليمي، فمن الواضح أن “حزب الله” ما يزال يسعى إلى تأكيد قدرته على أن يكون قوة مؤثرة.

لكن المفارقة أن لجوءه إلى هذا النوع من الخطاب قد يكون بحد ذاته اعترافًا ضمنيًا بأن ميزان القوة في لبنان بدأ يتبدل، وأن الدولة باتت تمتلك هامشًا أوسع للتمسك بقراراتها السيادية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الميليشيا تهدد بخطف المطار
التالى قطر: لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان