“الحزب” على خطى عرفات.. هل يتعظ ويسلّم سلاحه؟

“الحزب” على خطى عرفات.. هل يتعظ ويسلّم سلاحه؟
“الحزب” على خطى عرفات.. هل يتعظ ويسلّم سلاحه؟

كتب وليد فريجي في “نداء الوطن”:

غالبًا ما يكرّر التاريخ نفسه، وكثيرًا ما يعاقب من يعتقد أنه استثناء. فالتجارب السياسية لا تسقط لأن قضاياها فقدت مشروعيتها، بل لأنها تعجز عن التمييز بين شرعية القضية وشرعية الدولة. وهذه تحديدًا هي المعضلة التي عرفها لبنان أكثر من مرة، منذ أن تحوّلت أرضه إلى ساحة مستباحة لصراعات الآخرين، وأصبح السلاح يتقدّم على المؤسسات، فيما تراجعت الدولة إلى الصف الخلفي.

من هذه الزاوية، لا تبدو المقارنة بين تجربة ياسر عرفات في لبنان وتجربة “حزب الله” اليوم مقارنةً بين شخصين أو تنظيمين، بل بين مسارين سياسيين انتهى أحدهما، فيما يقف الآخر أمام مفترق طرق قد يقوده إلى النتيجة نفسها إذا لم يستخلص العبر.

دخلت منظمة التحرير الفلسطينية لبنان، وسرعان ما تحوّل وجودها العسكري تدريجيًا إلى سلطة موازية لسلطة الدولة، حتى بات القرار الأمني والعسكري خارج المؤسسات الدستورية. وهنا بدأ الخلل الحقيقي. فلم تعد المشكلة في مقاومة إسرائيل، بل في تراجع الدولة اللبنانية أمام تنظيم مسلح امتلك قراره المستقل.

بعد أكثر من أربعة عقود، يجد لبنان نفسه أمام معادلة مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في بنيتها. فقد وُلد “حزب الله” بحجة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وادّعى تحقيق التحرير عام 2000، وتوالت الانتصارات الواهمة… إلا أن استمرار احتفاظه بسلاحه وقراره العسكري المرتبط بالحرس الثوري الإيراني، وانخراطه في صراعات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، أدّيا إلى إعادة إنتاج الإشكالية نفسها.

قد تبدو المقارنة بين “حزب الله” وياسر عرفات، للوهلة الأولى، بعيدة أو غير منطقية. فالأول تنظيم شيعي مرتبط بالمشروع الإيراني، والثاني قائد الحركة الوطنية الفلسطينية. وعندما تُقرأ التجربتان من زاوية العلاقة بالدولة اللبنانية، يصبح التشابه أكثر وضوحًا مما يرغب كثيرون في الاعتراف به. وبالتالي، سلك “الحزب” المسار نفسه، وإن بأدوات وشعارات مختلفة.

في تجربة عرفات، كان الشعار أن المعركة مع إسرائيل تبرّر كل شيء. وفي تجربة “حزب الله”، أصبح شعار مواجهة إسرائيل ومحور المقاومة المبرّر الدائم لتجاوز الدولة وتعليق قيامها الكامل. في الحالتين، تحوّلت الأولوية من بناء الدولة إلى حماية مشروع السلاح.

الأخطر أن التجربتين تشتركان في ربط لبنان بصراعات إقليمية تتجاوز قدرته على الاحتمال. فقد دفع اللبنانيون ثمنًا باهظًا عندما تحوّل بلدهم إلى منصة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. واليوم يدفعون أثمانًا مماثلة نتيجة تحويل لبنان إلى جزء من المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

لكن التاريخ يقدّم درسًا أكثر قسوة. فالقوة العسكرية التي بدت، في لحظة معينة، عصيّة على الكسر، تحوّلت مع الوقت إلى عبء على أصحابها. منظمة التحرير الفلسطينية بلغت في لبنان درجة من النفوذ جعلت كثيرين يعتقدون أنها أصبحت أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره. لكنها انتهت عام 1982 إلى الخروج من بيروت، بعدما خسرت البيئة السياسية التي احتضنتها، وخسرت القدرة على فرض معادلاتها بالقوة.

لم يسقط عرفات لأنه خسر قضية فلسطين، بل لأنه خسر التوازن بين المقاومة والدولة، وبين المشروع الوطني ومقتضيات الواقع اللبناني. وعندما تحوّلت منظمة التحرير من ضيف إلى سلطة فوق الدولة، بدأت لحظة الانحدار الفعلي.

اليوم يواجه “حزب الله” معضلة مشابهة. فالحزب الذي كان يقدّم نفسه قوة ردع لإسرائيل يجد نفسه أمام واقع مختلف: خسائر عسكرية متراكمة، وضغوط دولية متزايدة، وبيئة لبنانية تطالب باستعادة القرار السيادي، وأزمة اقتصادية تجعل اللبنانيين أقل استعدادًا لتحمّل كلفة الحروب المفتوحة.

وإذا كان عرفات قد اكتشف متأخرًا أن السلاح وحده لا يصنع شرعية دائمة، فإن “حزب الله” يبدو وكأنه يكرّر الدرس نفسه. فالقوة العسكرية خارج الشرعية لا تبني دولة، ولا تؤسّس استقرارًا دائمًا.

التاريخ لا يكرّر نفسه حرفيًا، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج نتائجه. ومن هذه الزاوية، قد لا يكون الخطر الأكبر على “حزب الله” هو إسرائيل أو الضغوط الدولية، بل إصراره على تجاهل الدرس الذي أسقط قبله ياسر عرفات في لبنان: عندما يصبح السلاح أكبر من الدولة، يبدأ العدّ التنازلي لخسارة السلاح والدولة معًا.

وهكذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان “حزب الله” يشبه تجربة عرفات، بل ما إذا كان قادرًا على تفادي النهاية التي انتهت إليها تلك التجربة. فالتاريخ اللبناني أثبت أكثر من مرة أن أي قوة تعتقد أنها أقوى من الدولة قد تنجح لسنوات طويلة، لكنها، في نهاية المطاف، تخسر كل شيء عندما تستيقظ الدولة.

وهذا هو الدرس الأكبر الذي يقدّمه التاريخ اللبناني: لا أحد انتصر على الدولة عندما ضعفت، ولا أحد خسر عندما قويت. أما الذين اعتقدوا أن بإمكانهم الحلول محلها، فقد انتهوا جميعًا إلى الحقيقة نفسها، ولو بعد حين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق “الحزب” على خطى عرفات.. هل يتعظ ويسلّم سلاحه؟
التالى قطر: لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان