شارك العلاّمة السيد علي فضل الله في اللقاءمع رئيس وزراء فرنسا السابق فرانسوا فيون بدعوة من المطران شارل مراد في قاعة كاتدرائية سيدة البشارة للسريان الكاثوليك، في المتحف بحضور عدد من الشخصيات الدينية والحوارية.
وألقى العلامة فضل الله كلمة في اللقاء قال فيها: “في البداية، أتوجّه بكلّ الشّكر والامتنان إلى الصّديق العزيز المطران شارل مراد على استضافته هذا اللّقاء، الّذي يأتي تعبيرًا عن صدقيّة دوره الحواريّ والجامع، الّذي أخذه على عاتقه وسار به، من خلال إتاحة الفرصة لي لأتشرّف بأن أكون بينكم ومعكم، لنتدارس معًا الدّور الّذي ينبغي أن نقوم به في هذه المرحلة، وهي من أهمّ وأصعب المراحل الّتي يمرّ بها هذا البلد”، مشيرًا إلى أنّها “جاءت انعكاسًا لما يجري في المنطقة، وبفعل العدوان الّذي تعرّض له لبنان من العدوّ الإسرائيليّ، والّذي أدّى إلى ما شهدناه، وما زلنا نشهده، من احتلالٍ لأكثر من خمسٍ وستّين قرية من قرانا، وما خلّفه من دمار واسع، وأعداد كبيرة من الضّحايا، من نساءٍ وأطفالٍ وشيوخ، لم يوفّرهم وهم في بيوتهم أو خلال تنقّلهم، فضلًا عن النّازحين الّذين ما زالوا يعيشون في مراكز الإيواء، بعدما تهدّمت منازلهم أو تضرّرت، أو شُرّدوا من بلداتهم”.
وأضاف: “إنّنا، أمام هذا المشهد الدّامي، نرى أنفسنا معنيّين، انطلاقًا من قيمنا ومبادئنا الّتي تدعونا إلى العمل للإنسان وبعيدًا عن انتمائه الطّائفيّ أو المذهبيّ أو موقفه السّياسيّ أسوة بما كان عليه الأنبياء والرّسل الّذين لم يفكّروا يومًا بأطرهم بل كانوا رحمة للعالمين، وهنا أشير إلى أمرين:
الأوّل، على الصّعيد الإنسانيّ، من خلال تقديم المساعدة لكلّ من يحتاج إلى مدّ يد العون، ورفع الصّوت لدى الدّولة المعنيّة بمواطنيها، ولدى الدّول الحريصة على هذا البلد، والمنظّمات الدّوليّة، وبذل كلّ الجهود والإمكانات الممكنة الّتي نمتلكها أو نسعى إليها. وهنا، لا بدّ أن نُقدّر عاليًا ما شهدناه من تكافلٍ وتعاونٍ حصل بين اللّبنانيّين، الّذين احتضنوا النّازحين من مختلف الطّوائف والمذاهب، وتناسوا في ذلك خلافاتهم وصراعاتهم، الّتي كانت تعصف بهم بما عزّز الوحدة الوطنيّة ورسّخ الإحساس بالمواطنة وممّا نريد له أن يستمرّ.
الثاني، العمل على إنهاء الاحتلال الجاثم على أرضنا، والّذي نخشى من أن يتحوّل إلى أمرٍ واقع وحقيقة علينا التّعامل معها، بما يتيح عودة الأهالي إلى قراهم، ويعيد للدّولة سيادتها الكاملة على أراضيها. وهذا يدعونا إلى الوقوف مع كلّ جهد يُبذل في هذا الاتّجاه، أن لا نعطّل أيّ جهد يبذل لذلك، وإلى تضافر جهود جميع اللّبنانيّين، إذ لا يمكن مواجهة الاحتلال في ظلّ الانقسام أو التّرهّل الّذي نشهده، سواء على مستوى مؤسّسات الدّولة أو على المستوى الشّعبيّ، وهو ما من شأنه أن يستفيد منه من يحتلّ الأرض، لأنّه يستفيد أكثر ما يستفيد من انقسامنا ويُضعف الموقف اللّبنانيّ، ويُقوّض كلّ جهد يُبذل لإنهاء الاحتلال”.
وأشار فضل الله إلى أننا “نرى أنّ من مسؤوليّتنا الدّينيّة والوطنيّة والإنسانيّة أن تتضافر كلّ جهودنا لردم الهوّة بين اللّبنانيّين، بالدّعوة إلى التّلاقي بين مختلف مواقع الدّولة، للتّوصّل إلى صيغةٍ وطنيّة مشتركة في مواجهة ما يتهدّدنا، بحيث لا يبقى كلّ طرف متمسّكًا بموقعه، أو أن يُعطّل جهد الآخر، لافتًا إلى أنه “لا بدّ من تعزيز الجهود لمعالجة حالة الاحتقان الّتي نشهدها، والّتي نراها ونقرأها ونسمعها في الخطاب الإعلاميّ، وعلى مواقع التّواصل الاجتماعيّ، وفي الحوارات واللّقاءات والمنتديات، والّتي جعلت بأسنا بيننا شديدًا بدلًا من أن يكون على عدوّنا، لما قد تتركه من تداعيات خطيرة، تُهيّئ الأرضيّة لكلّ من يسعى إلى إشعال الفتنة. وهذا يتطلّب إلى العمل على أن يُصغي اللّبنانيّون إلى بعضهم بعضًا، وأن يعزّزوا لغة الحوار الموضوعيّ، والخطاب العقلانيّ الهادئ، الّذي يضع مصلحة هذا البلد فوق كلّ اعتبار”.
وأكد اليوم أننا “اليوم أحوج ما نكون إلى ترسيخ خطابٍ وطنيٍّ وحدويّ، يأخذ بعين الاعتبار مصلحة الوطن، ويُرسّخ وعيًا عامًا بأنّ ما يجري، بتداعياته، لا يصيب طائفةً أو مذهبًا أو فريقًا سياسيًّا بعينه، بل يصيب الوطن كلّه، وأنّه لا خروج من هذا المأزق إلّا بتضافر جهود جميع أبنائه، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، ونريد لهذا الخطاب أن يدخل مساجدنا وكنائسنا، وكلّ نوادينا ومنابرنا، وأن نقف صفًّا واحدًا في وجه كلّ من يريد العبث بوحدتنا الوطنيّة والإيمانيّة”.
وتوجه بالتحية إلى “كلّ الّذين يعملون على هذا الخطاب ويدعون إليه وحمايتهم من كلّ الّذين لا يريدون لهذه الأصوات أن تسمع أو أن تتوسّع دائرتها. ونحن، بدورنا، وانطلاقًا من مسؤوليّتنا، عملنا، وسنواصل العمل على الصّعيد الاجتماعيّ وكان لنا دورنا والّذي كان تعبيرًا عن إرادات الخير في هذا البلد، وستبقى مع كلّ الحريصين على هذا البلد، نمدّ أيدينا إلى كلّ من يسعى لتعزيز الوحدة الوطنيّة واللّقاء بين كلّ مكونات الوطن، وقلوبنا وعقولنا مفتوحة للجميع، إيمانًا منّا بأنّ هذا الوطن لا بديل لنا عنه، وأنّه لا يقوم بطائفةٍ أو مذهبٍ أو موقعٍ سياسيّ، بل هو يقوم بالتّراحم، والتّعاون، والتّكافل، والتّباذل، بين كلّ طوائفه ومذاهبه ومكوّناته السّياسيّة، ليبقى وطن الرّسالة، ووطنا يعبّر عن الرّسل والقدّيسين والرّسالات السّماويّة، ووطن الأمن والسّلام لكلّ أبنائه”.
وشكر فضل الله رئيس الوزراء الفرنسي السابق فيون، مشيدًا بـ”الدور الفرنسي الحريص على وحدة لبنان وسيادته واستقلاله”، مشددًا على أن “يستفيد اللبنانيون من هذا الدور ليكون سندًا لهم في العمل لتحرير ارضهم ووقف الحرب”.



