مئة عام على الدستور… والدولة تُعاد كتابتها بالعقوبات

مئة عام على الدستور… والدولة تُعاد كتابتها بالعقوبات
مئة عام على الدستور… والدولة تُعاد كتابتها بالعقوبات

كتبت د. بولا أبي حنا في “نداء الوطن”:

في مئوية الدستور اللبناني، لا يبدو السؤال المركزي ما الذي أُقر عام 1926، بل ما الذي ما زال يحتفظ بصفة “المرجعية العليا” داخل الدولة اليوم. فلبنان لا يعاني من غياب النص الدستوري، بل من تعدد مصادر إنتاج الشرعية السياسية داخله.

عند لحظة التأسيس خلال الحقبة الانتدابية، جرى تثبيت دستور يفترض بناء دولة حديثة ذات مؤسسات واضحة ضمن تصور تقليدي للدولة بوصفها وحدة قانونية ذات مرجعية واحدة. لكن هذا التصور دخل تدريجيًا في مسار مختلف بعد الاستقلال، حيث بدأت الأعراف والتوازنات السياسية تتقدم على النص، حتى بات جزءًا موازيًا لآلية الحكم لا مرجعية حصرية لها.

بمرور الوقت، لم يعد الدستور الإطار الوحيد المنظّم للسلطة، بل أصبح أحد مستويات متعددة لإدارة الدولة، تتقاطع فيه المؤسسات مع التسويات غير المكتوبة وشبكات النفوذ الداخلي.

في هذا السياق، تصبح مئوية الدستور لحظة اختبار لمفهوم الدولة نفسه: هل ما زال النص التأسيسي يحتفظ بسلطته المعيارية، أم أن الدولة باتت تُعرّف عمليًا عبر قوى أخرى موازية؟

هذه الإشكالية تتخذ بعدًا أكثر حدّة عند النظر إلى العقوبات الأميركية الأخيرة التي فرضتها الخزانة الأميركية على نواب في البرلمان وضباط في مؤسسات أمنية، وبعضهم ضمن الدوائر المرتبطة بـ “حزب الله”. هذه العقوبات، بصرف النظر عن أهدافها السياسية، لا تستهدف الأفراد فقط، بل تعكس انتقالا في مقاربة الخارج للبنية اللبنانية: من التعامل مع الدولة كمؤسسة موحدة، إلى التعامل معها كبنية متداخلة تحتاج إلى فرز داخلي لمواقع الفعل والشرعية.

بمعنى آخر، لم تعد العقوبات تستهدف أفرادًا بوصفهم حالات معزولة، بل بوصفهم مؤشرات على مواقع داخل نظام سياسي غير متجانس.

وفي لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع مسار حساس مرتبط بالمفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والمقرر استئنافها في التاسع والعشرين من آذار، يكتسب التوقيت السياسي للعقوبات بعدًا إضافيًا يتجاوز الإجراء نفسه. فهو يدخل في إطار أوسع يتعلق بإدارة لحظة سياسية إقليمية لا تزال قيد التشكل، حيث تتداخل أدوات الضغط الخارجي مع إعادة تشكيل إدراك الفاعلين المحليين لموازين القوة وحدود الحركة السياسية.

في مثل هذه اللحظات الانتقالية، لا تعمل العقوبات فقط كأداة اقتصادية أو قانونية، بل كجزء من البيئة التي تُصاغ داخلها القرارات السياسية، عبر تعديل تصورات الداخل حول الممكن والممنوع.

وهنا يتحول السؤال من نطاق السياسة الخارجية إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يعاد تعريف الدولة نفسها عندما تتعدد الجهات التي تؤثر في رسم حدودها الفعلية؟

في هذا المعنى، لم يعد لبنان يُدار عبر مرجعية واحدة واضحة، بل عبر نظام تتعدد فيه مصادر تعريف الدولة: الدستور من جهة، والتوازنات الداخلية من جهة ثانية، وأدوات التأثير الخارجي من جهة ثالثة.

وبالتالي، لم تعد الإشكالية في مدى تطبيق الدستور، بل في تعدد الجهات التي تشارك فعليًا في تعريف من يمثل الدولة وكيف تُدار.

وهنا المفارقة المضحكة المبكية في آن واحد: الجميع يتغنى بالدستور ويؤكد أنه يطبّقه، بينما الحقيقة أن كل طرف يفسّره ويختزله وفق مصالحه، ويستدعي منه ما يخدم موقعه السياسي ويتجاهل ما يتعارض معه، حتى بات النص الدستوري نفسه مساحة مفتوحة للتأويل الانتقائي بدل أن يكون مرجعية ملزمة واحدة.

وفي ذكرى مئوية الدستور، لم تكن المفارقة الوحيدة في الحاضر السياسي. ففي اللحظة نفسها التي يُعاد فيها طرح سؤال الدولة وحدودها تحت ضغط التوازنات والعقوبات والتوقيت الإقليمي، شاءت الصدف أن يُوقّع قداسة البابا لاوون الرابع عشر مرسوم إعلان البطريرك الياس الحويك طوباويًا، وهو الذي لعب دورًا أساسيًا في قيام لبنان الكبير عام 1920 وفي صياغة التصور الأولي لفكرة الكيان اللبناني الحديث.

هكذا تتجاور الرموز في لحظة واحدة: رجل أسّس في الذاكرة السياسية لولادة الكيان، ومرجعية دينية كبرى تُعيد الاعتراف بموقعه التاريخي، ودستور يحتفل بمئويته، بينما الدولة نفسها تُختبر اليوم في قدرتها على تعريف ذاتها في عالم لا يعترف بالثوابت القديمة.

وفي هذا التزامن بين التاريخ والرمز والسياسة، يبدو لبنان وكأنه يقف في نقطة واحدة حادة: ليس بين الماضي والحاضر فقط، بل بين دولة كُتبت مرة واحدة… ودولة يُعاد تعريفها كل يوم.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق روبيو: الاتفاق مع إيران لا يزال ممكنًا
التالى خيارات دبلوماسية وسياسية أميركية للضغط على إيران