هل تطيح الخلافات ببلدية الفاكهة الجديدة.. مجدّداً؟

هل تطيح الخلافات ببلدية الفاكهة الجديدة.. مجدّداً؟
هل تطيح الخلافات ببلدية الفاكهة الجديدة.. مجدّداً؟

كتب يحيى عيسى في “نداء الوطن”:

من بوابة التنازل عن عقار في جرود بلدة الفاكهة لمصلحة الجيش اللبناني، بدأت الأرض تهتز من تحت مجلس بلدية الفاكهة الجديدة، ومعها علت الأصوات مجددًا لتعيد إلى العلن الخلافات التي لطالما شكّلت عقدةً في منشار التوافق والتفاهم بين جناحَي البلدة المسلم والمسيحي.

فالبلدة التي تضم نسيجًا إسلاميًا مسيحيًا دقيقًا، لم تكن يومًا بعيدة عن الاهتزازات البلدية والسياسية. فمنذ سنوات، شهدت الفاكهة الجديدة أزمات متلاحقة وصلت إلى حد إبطال الانتخابات البلدية عام 2016، وما تبعها من سقوط فعلي للمجلس البلدي وبقاء المنطقة سنوات طويلة من دون بلدية فاعلة، وسط انقسامات حادة ومطالبات متكررة بفصل بلدتي الفاكهة والجديدة وإنشاء مجلس بلدي مستقل لكل منهما، تفاديًا للصدامات والخلافات المزمنة.

ورغم أن الانتخابات البلدية الأخيرة أعادت إنتاج مجلس بلدي جديد عبر تسوية بين المكوّنين المسلم والمسيحي، قامت على قاعدة المناصفة والتناوب على الرئاسة بين الطرفين، بحيث تولّى قائد منطقة البقاع السابق في الجيش اللبناني العميد محبوب عون رئاسة المرحلة الأولى لثلاث سنوات، على أن تنتقل لاحقًا إلى ممثل من آل محيي الدين، إلا أن قرارًا وُصف بالمفاجئ أعاد فتح الجراح القديمة، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة.

فالقضية التي فجّرت الشارع تمثّلت بقرار داخل البلدية يقضي بمنح الجيش اللبناني نحو مليونين وخمسمئة وثلاثة وخمسين ألف متر مربع من جرود البلدة، من دون توضيح رسمي للرأي العام حول طبيعة المشروع أو خلفيات هذه “الهبة” الضخمة، ما فتح الباب واسعًا أمام التساؤلات والتأويلات.

أهالي البلدة يؤكدون أن لا أحد يعارض المؤسسة العسكرية، بل على العكس هناك إجماع على احترام الجيش اللبناني والثقة به وبحقه في الاستملاك متى اقتضت الضرورات العسكرية أو الوطنية ذلك، كما أن أبناء الفاكهة يعتبرون أن أي دعم للجيش هو موضع تقدير ووفاء لتضحياته في حماية المنطقة والبلاد. إلا أن حجم العقار المطروح، والغموض الذي يلف الملف، حوّل القضية إلى مادة اشتعال داخلية.

وبحسب المعطيات المتداولة داخل البلدة، فإن الملف ليس وليد الأيام الأخيرة، بل يعود إلى نحو تسعة أشهر، في ما يتحدث بعض العارفين عن أن عددًا من أعضاء المجلس البلدي وقّعوا على القرار من دون الإحاطة الكاملة بتفاصيله، وهو ما سرّبه أحد الأعضاء عبر تسجيل صوتي مرسل لرئيس البلدية، ما عزّز حالة الشك والغضب لدى الأهالي الذين شعروا أن الملف “مُرّر على غفلة”.

ومنذ انفجار القضية، لم تهدأ اللقاءات والاجتماعات في البلدة، وسط حالة غليان شعبي غير مسبوقة، وصلت إلى حد مطالبة بعض العائلات ممثليها داخل المجلس البلدي بالاستقالة، الأمر الذي يهدد بفقدان التوازن داخل المجلس، وبالتالي إعادة سيناريو سقوط البلدية من جديد، ولكن هذه المرة من بوابة الخلاف بين الأهالي والبلدية، لا بين المكوّنات السياسية والطائفية داخلها.

هذا ويشعر عدد كبير من أبناء البلدة بالغبن، خصوصًا أن المساحة المطروحة تمس أراضي تعود ملكيتها المعنوية أو ترتبط بمصالح شريحة واسعة من الأهالي، إضافة إلى الحديث عن أن المنطقة تشمل حوض نبع البلدة، ما يثير مخاوف من تأثير أي مشروع مستقبلي على البيئة والموارد المائية.

وفي هذا السياق، قال أحد أبناء البلدة عبد السلام العيط لـ”نداء الوطن” إن “الشبهة بدأت منذ تسعة أشهر، لكن قبل أسبوعين عرفنا بحجم المساحة المطروحة، والتي تتجاوز مليونين وخمسمئة ألف متر، وهي مساحة هائلة جدًا”. وأضاف أن “المنطقة تشمل حوض نبع البلدة، وأي مشروع فيها سيتأثر الناس به بشكل مباشر”.

وأشار إلى أن “التبرير الدائم من البلدية هو أن الجيش يحق له الاستملاك، بينما الجيش نفسه يقول إنه لم يطلب شيئًا”، متسائلا: “بلدية الفاكهة مفلسة وتجمع التبرعات لبناء قصر بلدي وحتى لمعالجة ملف النفايات، فكيف لها أن تهب هذه المساحات الشاسعة؟ وهل المفلس يهب أرضًا؟”

وأضاف العيط أنه “حتى اللحظة لا أحد يعرف طبيعة المشروع الحقيقي، وكل ما يقال إنه سيفيد البلدة، لكن هناك قطبة مخفية، والناس في حالة ضياع وتشتت وقايمة قيامتها”، مؤكدًا أن “الهدف ليس إسقاط البلدية بل توضيح ما جرى، لأن هناك خطأ جسيمًا وغبنًا فاحشًا”.

في المقابل، نفى رئيس بلدية الفاكهة الجديدة العميد المتقاعد محبوب عون لـ “نداء الوطن” وجود أي خطوة تنفيذية حتى الآن، مؤكدًا أن “المرحلة الحالية تحضيرية فقط لمشروع خيري كبير وصديق للبيئة، وأن الموضوع بعهدة الجيش اللبناني ولا يزال قيد الدراسة”.

وعند سؤاله عن القرار الذي قيل إن أعضاء المجلس وقّعوا عليه، أجاب بأنه “لا يوجد أي مستند نهائي في البلدية بهذا الخصوص”، مضيفًا أن “لا تفريط بأي شيء من أراضي البلدة، وكل الأمور ستُوضح خلال أيام ببيان من البلدية، كما شدد على أن المشروع سيعود بالفائدة على الفاكهة وأبنائها”.

غير أن هذا الغموض، بدل أن يخفف الاحتقان، دفع شريحة واسعة من أبناء البلدة إلى إطلاق حملة اعتراض واسعة، مطالبة قيادة الجيش اللبناني بتوضيح حقيقة ما يجري.

ووفق المعلومات التي حصلت عليها “نداء الوطن”، فإن الهبة ترتبط بمشروع لإنشاء معمل لإنتاج الكهرباء على الطاقة الشمسية بتمويل قطري يتجاوز 200 مليون دولار، وبقدرة إنتاجية تتراوح بين 70 و100 ميغاواط، على أن يُنفّذ عبر الجيش اللبناني، ضمن واحد من خمسة مشاريع مماثلة على مستوى لبنان. وتشير المعلومات إلى أن المعمل سيُربط بالشبكة الكهربائية الرئيسية، أو تُباع الطاقة المنتجة للبلدات والمناطق بأسعار مخفّضة، في ما تستفيد بلدية الفاكهة الجديدة من المشروع بعائد سنوي يناهز 500 ألف دولار.

وفي ظل هذا المشهد، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة: هل نحن أمام سيناريو قديم جديد يعيد البلدية إلى دائرة السقوط والانقسام؟ وهل يتحول ملف العقار إلى الشرارة التي تعيد إحياء مطلب فصل الفاكهة عن الجديدة وإنشاء مجلسين بلديين مستقلين، وصولًا إلى إعادة طرح ملف تقسيم الأراضي والمشاعات بين البلدتين؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أميركا تتهم راؤول كاسترو بالقتل وسط ضغط من ترامب على كوبا
التالى خيارات دبلوماسية وسياسية أميركية للضغط على إيران