كتب منير الربيع في “المدن”:
الفجوة كبيرة في المفاوضات الإيرانية الأميركية. كذلك هي بالنسبة إلى المطالب الإسرائيلية مقابل المطالب اللبنانية. في الحالتين، تسعى إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة الأميركية بالعودة إلى استئناف الحرب ضد إيران، وعودتها هي لتوسيع عمليتها العسكرية في جنوب لبنان. على الرغم من تركيز الأنظار على المفاوضات ونتائجها، إلا أن الأساس يبقى في ما سيليها، خصوصاً على مستوى النتائج العملية على الأرض.
لبنان يتمسك بالمطالبة بضرورة وقف النار لاستكمال المفاوضات أو بالحد الأدنى خفض التصعيد، أو ربما عدم إقدام إسرائيل على تنفيذ أي عملية عسكرية قبل إعادة تفعيل الميكانيزم، والعودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الحرب في 2 آذار. أما إسرائيل فإن مطالبها قاسية جداً، ومن الواضح أنها تريد انتزاع موقف ثلاثي مشترك يشير إلى التفاهم على آلية عمل لسحب سلاح حزب الله. ما تنطلق منه أميركا، إسرائيل، وبعض الدول الأخرى المواكبة لمسار المفاوضات يتجاوز كل هذه التفاصيل التفاوضية، وصولاً إلى حدّ الإعلان أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة وعلى لبنان أن يلتحق بها، عنوانها هو وجود قرار دولي كبير بإنهاء حالة حزب الله العسكرية وتفكيكه وإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل.
ستعقد المفاوضات على جولتين، الخميس والجمعة. على أن تُبحث فيهما كل الملفات. فلبنان يريد تثبيت وقف العمليات العسكرية، وقف عمليات التفخيخ والتفجير والتجريف والتدمير، يطالب بانسحاب إسرائيل من الجنوب، وإطلاق سراح الأسرى. في المقابل، فإن إسرائيل تريد وضع خطة “مشتركة” لسحب سلاح حزب الله وتفكيك بناه العسكرية، البحث في تفاهمات سياسية مع لبنان، البحث في مصير جنوب الليطاني وكيفية إدارته، ولاحقاً الوصول إلى اتفاق. وبما يخص الموقف الأميركي، فقد شدد السفير ميشال عيسى أمام الرؤساء الذين التقاهم قبل مغادرته إلى واشنطن، على نقطتين، فصل ملف لبنان عن إيران وعن أي قضية عربية أخرى للذهاب إلى السلام، وهو يقصد أن يفصل لبنان مسار اتفاق السلام مع إسرائيل عن “مبادرة السلام العربية” أو الاعتراف بدولة فلسطينية. والنقطة الثانية هي ضرورة الإسراع بالتحرك لسحب سلاح حزب الله.
في الوقت الذي يعلن فيه لبنان استعداده لإعادة وضع خطة جديدة لسحب السلاح، تبرز مؤشرات أميركية وإسرائيلية بأن واشنطن هي التي ستعمل على وضع الخطة، وتطلب من لبنان تنفيذها. وبحال لم يلتزم لبنان بذلك فإن واشنطن ستتجه إلى تشكيل قوات خاصة في الجيش اللبناني للقيام بهذه المهمة. أما في حال لم ينجح هذا المسعى، فعندها ستواصل إسرائيل حربها وتوسع عملياتها.
في موازاة التحضير لجولة المفاوضات عمل الإسرائيليون على رفع مستوى التصعيد العسكري والميداني لفرض أمر واقع معين، تجلى في الإعلان عن عبور نهر الليطاني إلى بلدة زوطر الشرقية الواقعة في شماله. ذلك يترافق مع محاولات إسرائيلية لتوسيع نطاق التقدم باتجاه وادي زبقين والسيطرة عليه في القطاع الغربي، إضافة إلى محاولات التقدم باتجاه قرى واقعة ومشرفة على واديي السلوقي والحجير. الهدف من ذلك هو أن تحكم إسرائيل بالنار على كل منطقة جنوب الليطاني، وتمهيداً ربما لتوسيع العملية العسكرية، كما يتسرب في الإعلام الإسرائيلي، خصوصاً بعد الإعلان عن الوصول إلى زوطر الشرقية.
وعلى مستوى المفاوضات، من الواضح أن إسرائيل تنصب أفخاخاً كثيرة للدولة اللبنانية، أبرزها الإيحاء بالوصول إلى تفاهم حول ضرورة تفكيك حزب الله وسحب سلاحه وحصر السلاح بيد الدولة. ما تريده إسرائيل هو القول إنها تعمل في لبنان بما يتقاطع مع مصلحتها ومصلحة الدولة اللبنانية، من دون إغفال نقطة أساسية ترتبط بالضغوط التي تمارسها على الجيش اللبناني، لدفعه إلى سحب سلاح الحزب والتحرك ضده.
في المقابل، لا تزال الأوساط الديبلوماسية تتحدث عن وجود مخاوف من نية إسرائيلية لتوسيع العملية العسكرية البرية في جنوب لبنان، لاستكمال السيطرة على قرى الخط الأصفر، إضافة إلى توسيع نطاق القصف والغارات للضغط أكثر على الدولة اللبنانية. هذه الضغوط رد عليها أمين عام حزب الله نعيم قاسم، الذي أكد مواصلة القتال ورفض مجدداً التفاوض المباشر. أما في ملف السلاح، فاعتبر أنه مشكلة لبنانية داخلية يجب حلها بالحوار بين الأفرقاء. وهذا ما لا تريده إسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية، وسط ضغوط لاتخاذ قرارات دولية واضحة حول سحب سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية. وفي هذا الإطار، تشير مصادر ديبلوماسية إلى وجود تحركات على المستوى الدولي للبحث في مثل هذا الأمر، وأي صيغة يمكن الوصول إليها بشأن ذلك.
في الموازاة أيضاَ، لا تُخفى الضغوط الأميركية الإسرائيلية التي تتم ممارستها على سوريا، لدفعها إلى الانخراط في أي مواجهة ضد حزب الله انطلاقاً من البقاع، ذلكَ لسحب سلاح الحزب هناك أو إشغاله في معركة عسكرية. وحتى الآن، فإن دمشق لا توافق على ذلك، بينما هناك مساعٍ إسرائيلية مستمرة لا تنتهي بمحاولات تقديم إغراءات تخص الجنوب السوري، ولا سيما السويداء إضافة إلى شمال شرق سوريا، وتسهيل عملية الاندماج للقوى الكردية ضمن وزارة الدفاع السورية. أما في حال بقيت دمشق على رفضها فإن الضغوط الإسرائيلية ستتزايد عليها.
ليس بعيداً، تشير الأجواء الديبلوماسية إلى أن إسرائيل تسعى لإقناع ترامب بضرورة العودة لشن الحرب ضد إيران، وتنفيذ عمليات عسكرية كبيرة وموسعة وسريعة، بما فيها السعي لاستخراج اليورانيوم العالي التخصيب. وتريد تل أبيب انتهاز أي تصعيد عسكري ضد إيران من أجل استئناف الحرب الموسعة ضد حزب الله في لبنان.
عملياً، كل الأمور ستبقى معلقة بانتظار ما ستفرزه جولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن، وزيارة دونالد ترامب إلى الصين.



