أخبار عاجلة

اسرائيل وسياسة الأرض المحروقة جنوبًا

اسرائيل وسياسة الأرض المحروقة جنوبًا
اسرائيل وسياسة الأرض المحروقة جنوبًا

كتب محمد دهشة في “نداء الوطن”:

أكدت أوساط جنوبية لـ”نداء الوطن” أن “اسرائيل” تخوض مواجهة مفتوحة ضد لبنان وعلى كافة المستويات، إذ لم تعد محصورة في أطرها العسكرية التقليدية، بل اتخذت منحى تصاعديًا يطال مختلف مقومات الحياة الأساسية.

فبعد تلويث البحر باستخدام نترات الأمونيوم، تعمد اسرائيل إلى القصف بقذائف الفسفور الأبيض من أجل القضاء على التربة في الأرض التي شكّلت تاريخيًا مصدرًا للعيش ووعاءً للذاكرة الجماعية، والتي باتت هدفًا مباشرًا لعمليات ممنهجة تسعى إلى تغييرها جذريًا.

ويبرز هذا التغيير باعتماد سياسة “الأرض المحروقة” في قرى الجنوب، وخاصة الأمامية منها، حيث يتجاوز الدمار حدود الغارات الجوية والقصف المدفعي والتجريف ونسف المنازل والمباني وتدمير البنى التحتية، ليشمل تغييرًا جذريًا في طبيعة المكان ووظيفته.

وفقًا للأوساط، الأخطر في كل هذا لم يعد مشهد القرى المدمّرة أو الطرقات المقطوعة، بل العمل على إعادة تشكيل قسرية للجغرافيا، تُمحى فيها معالم البلدات لصالح فراغ جغرافي قاسٍ يُراد له أن يتحول إلى منطقة عازلة خالية من مظاهر الحياة.

ويعكس استهداف عناصر البيئة، من البحر إلى البر، نهجًا تصاعديًا متكاملًا، من تلويث للمياه بمواد كيميائية إلى استخدام الفوسفور الأبيض في المناطق البرية، ما يشير إلى استراتيجية اسرائيلية متدرجة لا تبدو عشوائية، بل تقوم على ضرب مصادر الغذاء، وإضعاف مقومات الاستقرار، وقطع العلاقة العضوية بين الإنسان وأرضه، من خلال تدمير القطاعات المرتبطة بها، وعلى رأسها الزراعة.

وفي قلب هذا الاستهداف، تبرز شجرة الزيتون بوصفها أكثر من مجرد مورد زراعي، إذ تمثل رمزًا متجذرًا في الهوية الثقافية والدينية للمنطقة. وعليه، فإن استهدافها لا يقتصر على الخسارة الاقتصادية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة طمس الرمزية المرتبطة بالأرض وإضعاف الارتباط التاريخي بها.

وتؤكد مديرة البيئة والتنمية في نقابة الغواصين المحترفين في لبنان، الدكتورة أمل طعّان جفال، أن استخدام اسرائيل للفوسفور الأبيض يتم بشكل متعمّد، مشيرة إلى أن تأثيره يتجاوز إحراق الأشجار ليصل إلى ما تصفه بـ”الإبادة الزراعية”، إذ يؤدي إلى قتل الأشجار وإفساد التربة وتعطيل قدرتها الإنتاجية لسنوات طويلة. وتلفت إلى أن استهداف شجرة الزيتون يحمل دلالات تتجاوز البعد الاقتصادي، نظرًا لمكانتها الرمزية في الذاكرة الجماعية.

وتقول إن المؤشرات الميدانية تظهر أن شجرة الزيتون، رغم قدرتها التاريخية على الصمود في وجه الظروف الطبيعية القاسية، تصبح عاجزة أمام الفوسفور الأبيض الاسرائيلي، الذي يحترق بدرجات حرارة مرتفعة تؤدي إلى تدمير بنيتها بالكامل خلال وقت قصير. ولا يقتصر الضرر على الاحتراق المباشر، إذ تخلّف هذه المادة آثارًا كيميائية خطيرة في التربة، أبرزها تكوّن حمض الفوسفوريك، ما يؤدي إلى القضاء على الكائنات الدقيقة المسؤولة عن خصوبتها.

وتضيف الدكتورة جفال إن تفاعلات الفوسفور الأبيض تؤدي إلى إنتاج مركبات تغيّر خصائص التربة وتخلّ بتوازنها البيولوجي، عبر خفض مستويات الحموضة إلى درجات خطرة. كما أن تفاعله مع مركبات أخرى، مثل نترات الأمونيوم، قد ينتج مواد شديدة السمية، ما يفاقم حجم الأضرار البيئية.

ويحذّر خبراء بيئيون من أن هذه التغيرات الكيميائية الحادة قد تفقد التربة قدرتها على الإنتاج الزراعي، وتحولها إلى أرض قاحلة لسنوات طويلة، في حين قد تمتص الأشجار التي تنجو جزئيًا مواد سامة تؤثر على سلامة المنتجات الزراعية، ما يهدد السلسلة الغذائية برمتها.

وعلى الصعيد القانوني، يرى هؤلاء أن هذه الممارسات تشكّل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، خصوصًا في ما يتعلق بحماية البيئة ومنع استخدام وسائل قتال تُلحق أضرارًا واسعة وطويلة الأمد بها. كما يمكن إدراجها ضمن ممارسات العقاب الجماعي واستهداف مصادر عيش المدنيين.

تطرح هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة الراهنة، حيث تتداخل الأبعاد البيئية والإنسانية والسياسية، لتنتج واقعًا أكثر تعقيدًا. فاستهداف البيئة لم يعد أثرًا جانبيًا للحرب، بل مؤشرًا على تحولها إلى هدف بحد ذاته، في سياق إعادة رسم ملامح المنطقة وفرض وقائع طويلة الأمد.

في المحصلة، بين احتراق الأشجار وتسميم التربة، تتبلور معالم سياسة تتجاوز حدود الحرب التقليدية، لتصيب الإنسان في صميم علاقته بأرضه ومصادر بقائه، وصولًا إلى هدف اسرائيل الأكبر: منع عودة السكان إلى قراهم وبلداتهم في المدى القريب.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق باسيل بعد لقائه بري: تحصين الجبهة الداخلية ضرورة
التالى خيارات دبلوماسية وسياسية أميركية للضغط على إيران