أخبار عاجلة
ترامب: سنبقى في مواقعنا بالمنطقة -
مجلس النواب الممدّد لنفسه… أي دور؟ -
غارة تستهدف الهيئة الصحية في بلدة القليلة -
نتنياهو: وقف اطلاق النار لا يشمل لبنان -
لبنان ساحة لأذرع إيران العسكرية -

عون يرسم من بكركي معادلة المرحلة: الدبلوماسية طريق إنقاذ لبنان

عون يرسم من بكركي معادلة المرحلة: الدبلوماسية طريق إنقاذ لبنان
عون يرسم من بكركي معادلة المرحلة: الدبلوماسية طريق إنقاذ لبنان

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

في لحظة سياسية وأمنية بالغة الدقة والخطورة، جاءت إطلالة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من الصرح البطريركي في بكركي في صبيحة عيد الفصح لتحمل أكثر من رسالة في اتجاهات متعددة، داخليًا وخارجيًا، لكن ما يلفت في المضمون ليس فقط ما قاله، بل السياق الذي قيل فيه، واللغة التي اعتمدها، والمرتكزات التي أعاد تثبيتها كأولويات وطنية. فالكلام الذي أطلقه قد يظنه البعض بأنه لم يأت بجديد، إلا أن الحقيقة بدا كأنه محاولة واعية لإعادة صياغة سردية الدولة اللبنانية في مواجهة لحظة انكشاف إقليمي وضغط داخلي متراكم، انطلاقًا من ثلاثية مترابطة: تثبيت الاستقرار الداخلي، إدارة تداعيات الحرب، وتكريس خيار الدبلوماسية كبديل استراتيجي.

في البعد الأول، المتعلق بالسلم الأهلي، تبرز مواقف عون كإعلان سياسي صريح عن انتقال الدولة من موقع الدفاع اللفظي إلى موقع الحزم الوقائي. هذا التحول لا يُقرأ فقط في سياق التحذير من الفتنة، بل في إعادة تعريف التهديد الداخلي بوصفه موازيًا، بل أخطر أحيانًا، من التهديد الخارجي. هذه المقاربة تحمل دلالات عميقة، إذ تعكس إدراكًا رسميًا بأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة في لحظة الحرب ليس فقط القصف والاعتداءات، بل الانزلاق الداخلي الذي يطيح بكل مقومات الصمود. ومن هنا، فإن تحميل المسؤولية بشكل جماعي، من الطبقة السياسية إلى الإعلام، يعكس محاولة لإعادة توزيع الأدوار في حماية الاستقرار، بما يشبه عقدًا وطنيًا غير مكتوب لإدارة الأزمة.

لكن الأهم في هذا السياق هو إعادة الاعتبار لدور المؤسسات، ولا سيما العسكرية والأمنية، كضمانة أساسية. فالدفاع الواضح عن الجيش، في وجه حملات التشكيك، لا يندرج فقط ضمن إطار الدعم المعنوي، بل يشكل إعادة تثبيت لمرجعية الدولة في إدارة الأمن، في لحظة تتكاثر فيها الدعوات إلى مقاربات موازية أو شعبوية. وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي على تمسك الرئاسة بمنطق الدولة الواحدة، في مقابل أي محاولات لتفكيك القرار الأمني أو تسييسه.

أما في البعد الإنساني، المتعلق بالنازحين، فتكشف مواقف رئيس الجمهورية عن محاولة لإدارة الأزمة من زاوية الكرامة، لا فقط من زاوية الاحتواء. فالإشارة إلى الجهود الحكومية والدولية، وإلى التضامن المجتمعي، تعكس سعيًا لتقديم نموذج لبناني في إدارة الأزمات، قائم على الشراكة بين الدولة والمجتمع والمجتمع الدولي. وهذا الطرح يحمل بعدًا سياسيًا غير مباشر، يتمثل في تأكيد أن لبنان، رغم ضعفه، لا يزال قادرًا على إنتاج دينامية تضامنية داخلية، تشكل عنصر قوة في مواجهة الانهيار.

وفي هذا الإطار، تبرز الإشادة بالصمود في الجنوب كجزء من إعادة بناء السردية الوطنية الجامعة، حيث يتم الربط بين المعاناة اليومية للسكان وبين الجهد الرسمي لتخفيفها، بما يعزز الثقة، ولو نسبيًا، بين الدولة والمواطن. وهذه النقطة تحديدًا تكتسب أهمية إضافية في ظل التحديات التي تواجهها الدولة في الحفاظ على حضورها في المناطق الحدودية.

غير أن البعد الأكثر استراتيجية في الخطاب يتمثل في مقاربة الحرب نفسها. فهنا، يذهب رئيس الجمهورية إلى أبعد من الإدانة التقليدية للاعتداءات، ليطرح سؤال الخيارات بشكل مباشر: بين الاستمرار في الحرب أو الذهاب إلى التفاوض. هذا الطرح، وإن بدا بديهيًا من زاوية كلفة الحرب، إلا أنه يحمل في الواقع بعدًا سياسياً عميقًا، إذ يعيد إدخال مفهوم الدبلوماسية إلى صلب النقاش الوطني، ليس كخيار تكتيكي، بل كخيار سيادي.

اللافت في هذا السياق هو محاولة تفكيك الخطاب الذي يربط التفاوض بالتنازل، واستبداله بمقاربة تعتبره أداة لحماية ما تبقى من الدولة. وهذا التحول يعكس، وفق مصادر دبلوماسية في بيروت، “توجهًا متناميًا لدى دوائر القرار اللبنانية لإعادة التموضع ضمن شبكة العلاقات الدولية، والاستفادة من الاتصالات القائمة للحد من تداعيات الحرب، بدلًا من الانخراط في مسارات تصعيدية مفتوحة”.

كما إن الإشارة إلى كلفة الحرب بالأرقام، من ضحايا ودمار ونزوح، هي جزء من بناء حجة سياسية متكاملة ضد خيار الاستمرار في المواجهة المفتوحة. وهنا، يتقاطع الخطاب مع مقاربات دولية تدفع باتجاه احتواء التصعيد في لبنان، ومنع تحوله إلى ساحة مشابهة لنماذج أكثر تدميرًا في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، تحمل مواقف عون رسالة ضمنية تتعلق برفض ربط لبنان بمسارات إقليمية لا تخدم مصلحته، وهو ما ينسجم مع توجهات دولية تدعو إلى تحييد الساحة اللبنانية قدر الإمكان. هذه النقطة تحديدًا تعكس محاولة لإعادة تعريف موقع لبنان في المعادلة الإقليمية، من ساحة اشتباك إلى ساحة تفاوض.

لذلك؛ يمكن قراءة مواقف رئيس الجمهورية من بكركي كإعلان عن إعادة إنتاج دور الرئاسة كمرجعية جامعة، في لحظة تآكل الثقة بالمؤسسات. فالرهان على السلم الأهلي، والدفاع عن الجيش، وإدارة ملف النازحين، والدفع باتجاه الدبلوماسية، تشكل مجتمعة ملامح مقاربة متكاملة لإدارة الأزمة، قائمة على تقليل الخسائر بدل مراكمة الانتصارات الوهمية.

والأهم أن هذه المواقف لرئيس الجمهورية، بما تحمله من نبرة إيجابية رغم قساوة الواقع، تعيد إدخال عنصر الأمل إلى المعادلة السياسية، كخيار مبني على الوقائع. ففكرة “قيامة لبنان” التي حضرت في خلفية الكلام، لم تُطرح كحلم بعيد، بل كمسار يبدأ من تثبيت الاستقرار، مرورًا بإدارة الأزمة، وصولًا إلى إعادة بناء الدولة. وهي، في هذا المعنى، مشروع سياسي يتطلب إرادة داخلية وتقاطعات خارجية، بدأت ملامحها تظهر في مواقف عون، وقد تتبلور أكثر في المرحلة المقبلة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اندونيسيا: نطالب بتحقيق مباشر في مقتل جنود “اليونيفيل”
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام