كتب نخلة عضيمي في “نداء الوطن”:
لم يعد ملف السلاح الفلسطيني في لبنان شأنًا داخليًا مؤجلًا أو قضية سياسية حساسة يمكن إدارتها بالمواقف والبيانات، بل تحوّل في الأسابيع الأخيرة إلى عامل مباشر في تعريض السيادة اللبنانية للاختراق، وإلى اختبار علني لمدى قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها. فبعد أشهر على إنذارات رسمية وجهتها الحكومة والمجلس الأعلى للدفاع إلى حركة “حماس” على خلفية إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية، عاد الواقع ليفرض نفسه بتطورَين بالغي الخطورة: اغتيال إسرائيلي لعناصر من “الجهاد الإسلامي” داخل الأراضي اللبنانية بعد دخولهم من سوريا، ثم توجيه ضربة إسرائيلية لمركز تابع لـ “حماس” داخل مخيم عين الحلوة.
هاتان الواقعتان لا يمكن قراءتهما بمعزل عن المسار الذي سبقهما: إنذارات رسمية، تعهدات بضبط السلاح، مطالبات بتسليم مطلوبين، وقرارات لم تستكمل ترجمتها التنفيذية. والنتيجة أن الأراضي اللبنانية عادت ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، فيما تبدو الدولة عاجزة عن فرض ما أعلنته من سياسات، الأمر الذي يهدد مصداقيتها داخليًا وخارجيًا في آن واحد.
وتأتي هذه التطورات، في وقت تشير فيه مصادر سياسية وأمنية لـ “نداء الوطن” إلى وجود معطيات ميدانية خلال الأسابيع الأخيرة، توحي بوجود تحركات ميدانية لعناصر مرتبطة بـ”حماس”، تتم بتنسيق أو تغطية من “حزب الله”، وهو ما يضع لبنان أمام تحديات متزايدة وتخوف من أن تكون الشرارة لتوريط البلاد بـ “حرب إسناد” لطهران إذا ما حصلت الضربة الأميركية.
وتتحدث المصادر عن احتمال تحريك الذراع الفلسطينية في لبنان المتمثلة بـ “حماس” و “الجهاد” لاستهداف إسرائيل إنطلاقًا من الأراضي اللبنانية على أن ينأى “حزب الله” بنفسه بداية الأمر. وبذلك يتمكن “حزب الله” أمام جمهوره واللبنانيين من التملص من المسؤولية، وبأن رده على أي ردة فعل إسرائيلية، ما هو إلا في خانة الدفاع وليس الهجوم. وبالنتيجة يكون المخطط قد نجح عبر إدخال لبنان في “حرب إسناد” لنظام الملالي “لا ناقة له فيها ولا جمل”، ولا سيما أن أي هامش تحرك غير مضبوط يمكن أن يقرأ إسرائيليًا على أنه جزء من معادلة تنسيق أوسع ضمن محور واحد.
حماس تنقلب على التفاهمات
عندما وجّه المجلس الأعلى للدفاع تحذيره إلى “حماس”، كان الهدف المعلن منع استخدام لبنان منصة عسكرية خارج قرار الدولة. وقد قيل يومها إن الدولة مستعدة لاتخاذ أقصى الإجراءات لفرض السيادة. لكن الوقائع اللاحقة كشفت عن فجوة عميقة بين القرار والتنفيذ. فلم يسلّم المطلوبون بإطلاق الصواريخ، ولم يضبط السلاح داخل المخيمات أو خارجها، ولم تفكك البنى العسكرية للفصائل، بل تبيّن لاحقًا وجود خلايا مرتبطة بـ “حماس” خارج المخيمات، واستمرار البنية العسكرية داخلها. وهكذا تحوّل الإنذار الرسمي إلى موقف سياسي بلا أدوات تنفيذية، وهو ما قرأته الدول الراعية لوقف إطلاق النار بوضوح على أنه دليل عجز الدولة اللبنانية عن السيطرة على الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل أراضيها.
التطور الأخطر تمثل في انتقال الاغتيالات والضربات إلى العمق اللبناني. فاغتيال عناصر من “الجهاد الإسلامي” بعد دخولهم من سوريا يكشف أولًا عن وجود مسلحين غير لبنانيين يتحركون عسكريًا داخل الأراضي اللبنانية خارج سلطة الدولة، ويكشف ثانيًا عن قدرة إسرائيل على استهدافهم داخل لبنان دون ردع فعلي. أما الضربة التي استهدفت مركزًا لـ “حماس” داخل مخيم عين الحلوة، فهي تحمل دلالة سياسية أشد خطورة، لأنها تنقل المعادلة من ضرب أهداف حدودية أو عسكرية خارج المخيمات إلى استهداف مباشر داخل أكبر مخيم فلسطيني في لبنان. وهذا يعني عمليًا أن المخيمات باتت تعامل دوليًا وإسرائيليًا كمناطق عسكرية خارج سيطرة الدولة اللبنانية، لا كمناطق مدنية خاضعة لسيادتها.
قرار حكومي وضبط نظري للساحة
المشكلة لم تعد فقط في وجود سلاح فلسطيني خارج الشرعية، بل في أن الدولة أعلنت سياسة واضحة تجاهه ثم لم تنفذها. وهنا تتشكل أزمة مصداقية مزدوجة: داخليًا، تبدو الدولة عاجزة عن فرض قراراتها داخل أراضيها، خصوصًا في المخيمات، ما يعزز الانطباع بوجود مناطق خارجة عن السلطة الفعلية. ودوليًا، ينظر إلى لبنان كدولة عاجزة. وبعبارة أوضح، عندما لا تنفذ الدولة إنذاراتها، تفقد قدرتها على الاحتجاج على انتهاك سيادتها.
في ضوء هذه التطورات، يبرز تساؤل مشروع حول مسار الإنذارات التي وجهتها الحكومة اللبنانية: ما هي الإجراءات التنفيذية التي اتخذت فعليًا بعد تحذيرات المجلس الأعلى للدفاع لـ “حماس”؟ وهل صدرت أوامر أمنية محددة أو وضعت مهلة زمنية واضحة لتنفيذها؟ وما هو مصير طلب تسليم المطلوبين بإطلاق الصواريخ، وهل جرى رفضه صراحة، وما هي الإجراءات التي اتخذت بعد الرفض؟ ثم كيف تفسر الدولة استمرار وجود بنى عسكرية للفصائل داخل المخيمات رغم إعلانها مبدأ حصرية السلاح بيدها؟
إن أخطر ما كشفته الأسابيع الأخيرة ليس فقط الضربات والاغتيالات، بل الفجوة بين قرار الدولة وقدرتها على التنفيذ. فالدولة التي تنذر ولا تنفذ تفقد الردع، والدولة التي تعلن السيادة ولا تمارسها تفقد المصداقية. واليوم، بعد انتقال الضربات الإسرائيلية إلى داخل المخيمات، لم يعد السؤال ما إذا كان ينبغي ضبط السلاح الفلسطيني، بل ما إذا كانت الدولة اللبنانية ما زالت قادرة على فرض قراراتها داخل أراضيها. وهذا السؤال لم يعد سياسيًا فحسب، بل أصبح سياديًا بامتياز.



