كتب سعد الياس في “القدس العربي”:
حين تحلّ ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير من كل عام، لا تمر الذكرى في لبنان كتاريخ عادي، بل تتحوّل إلى لحظة مشحونة بالسياسة والوجدان معًا، ويُستحضر اغتيال رفيق الحريري بوصفه حدثًا مفصليًا غيّر مسار البلاد، وأعاد تشكيل وعي شريحة واسعة من اللبنانيين تجاه لبنان أولاً وأسهم في خروج جيش الأسد من البلد في 26 نيسان/إبريل 2005 بعد حوالي شهرين على الاغتيال الآثم.
إذاً، هذه الذكرى لا تُقرأ فقط كجريمة سياسية كبرى، بل كرمز لانقطاع مرحلة كاملة وبداية أخرى، شهدت ولادة فريقين رئيسيين في البلد فريق 8 آذار/مارس المؤلف من «حزب الله» و«حركة أمل» والحزب السوري القومي الاجتماعي وبعض الحلفاء، وفريق 14 آذار المؤلف من «تيار المستقبل» والحزب التقدمي الاشتراكي و«القوات اللبنانية» والكتائب ومعهم «التيار الوطني الحر» الذي عاد لينضم إلى فريق 8 آذار بعد توقيعه ورقة تفاهم مع «حزب الله».
وكانت الخطيئة الكبرى في التحالف الرباعي وخوض الانتخابات سوياً، بعد الرهان على «لبننة» «حزب الله» بدلاً من استثمار الجو الضاغط غداة اغتيال الحريري، ما مكّن «الحزب» بعد فترة قصيرة من التقاط أنفاسه والإمساك بأوراق القوة ورفض المحكمة الدولية واتهامه بتصفية عدد من قيادات 14 آذار ثم تنفيذ 7 أيار/مايو في بيروت ومهاجمة الحزب الاشتراكي في الجبل، فالإتيان بالرئيس ميشال عون والسيطرة على مفاصل الدولة.
وبدلاً من مواجهة مخطط «حزب الله» الذي ضرب مشروع رفيق الحريري وفكرة إعادة بناء الدولة بعد الحرب، تبارزت قوى 14 آذار بين بعضها البعض، وحصلت تسويات ومساومات دفع ثمنها رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري الذي تعرّض لطعنة كبرى من خلال استقالة ثلث أعضاء الحكومة زائداً «الوزير الملك» قبل لحظات من دخوله إلى البيت الأبيض، ليعود بعدها إلى رئاسة الحكومة في عهد الرئيس ميشال عون وتستمر التسويات، ما أدى إلى إغضاب المملكة العربية السعودية وتعليق سعد الحريري عمله السياسي وابتعاده عن المشهد وسفره إلى الامارات.
هذا الابتعاد لسعد الحريري شكّل نقطة تحوّل بارزة في توازنات الساحة الداخلية، خصوصًا داخل البيئة السنية التي كانت تمثّل قاعدته الأساسية. جاء هذا الغياب في سياق إقليمي ومحلي معقّد، مع تصاعد النفوذ الإيراني ووهج سلاح «حزب الله» في مقابل تراجع قدرة الزعامات التقليدية على المناورة.
وهكذا أحدث تعليق الحريري عمله السياسي فراغًا قياديًا لم يتمكن أي طرف سني آخر من وراثة حضوره الشعبي والتنظيمي، وكانت النتيجة تشتت الأصوات وتراجع التأثير السياسي، وهذا ما ظهر في انتخابات رئاسة الجمهورية حيث كانت تتوزّع الأصوات ولا تشكل كتلة وازنة كما كان حال كتلة «الثنائي الشيعي».
إلا أن شخصيات سنية برزت بخطابها المعارض لسلاح «حزب الله» بخلاف ما كان خطاب الحريري الذي لم يأت على ذكر «حزب الله» في خطابه أمس بل تحدث عن سلاح واحد. ولقيت هذه الشخصيات السنية تعاطفاً في الشارع السني على غرار النواب فؤاد مخزومي وأشرف ريفي ووضاح الصادق الذين شكّلوا مع «القوات اللبنانية» والكتائب وفي بعض الأحيان مع الحزب التقدمي الاشتراكي وبعض التغييريين قوة برلمانية صلبة تمكن من تزكية انتخاب قائد الجيش العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية بدعم أمريكي سعودي فرنسي قطري ومصري، ثم تسمية القاضي نواف سلام رئيساً للحكومة الذي باشر مع الرئيس عون بتطبيق ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري حول حصرية السلاح بيد الدولة وتعرّضا لحملة واسعة من قبل مناصري محور الممانعة.
وتستعد هذه الشخصيات السنية لخوض انتخابات 2026 بخطاب سياسي واضح ضد مشروع «حزب الله» ومعها النائب وليد البعريني وبعض الأسماء الجديدة مثل صالح المشنوق نجل النائب والوزير السابق نهاد المشنوق، وتبدو المملكة العربية السعودية راضية عن أداء هذه القيادات، ومرتابة من خوض «التيار الأزرق» الانتخابات والعودة إلى برلمان 2026 بكتلة نيابية تعيد نفس النهج الذي كان سائداً في مرحلة حكومة الرئيس سعد الحريري والتشكيك تارة بنوايا «القوات اللبنانية» والتلويح تارة أخرى بـ «بق البحصة» على حساب وحدة الصف والموقف في مواجهة «حزب الله» الذي كان يستفيد من التباعد بين القوى السيادية وتفرّقها ليُحكم قبضته على قرار الدولة.
من هنا، اكتسبت ذكرى 14 شباط هذا العام على أبواب الانتخابات النيابية أهمية مضاعفة نظراً للتأثير الكبير للرئيس سعد الحريري على الشارع السني ووجهة اقتراعه في حال أنجز الاستحقاق في موعده في شهر أيار المقبل. وهل سيتم اختيار الأسماء التي تشكّل امتداداً للجبهة المعارضة لـ «حزب الله» وسلاحه على كامل الأراضي اللبنانية، أم سيتم اعتبار المرشحين المعارضين لـ «الحزب» خصوماً لـ «تيار المستقبل» وتُحجَب عنهم الأصوات التي تؤهلهم لدخول المجلس النيابي.
وقد ردّ الحريري في خطابه على من انتقد نهجه بالتسويات، قائلاً «الاعتدال ليس تردداً بل شجاعة والصبر ليس ضعفاً بل إيمان»، متحدثاً عن «طعن بالخناجر في ظهره ليلاً نهاراً إنما ظهري يحتمل». وألمح إلى مشاركة «تيار المستقبل» في الاستحقاقات الوطنية وأولها الانتخابات النيابية من دون أن يحسم هذه المشاركة ترشيحاً، مجيباً على السؤال ماذا سيفعل تياره في الانتخابات، بسؤال مقابل «قولوا لي متى الانتخابات حتى أقول لكم ماذا سيفعل المستقبل؟ إنما أعدكم عندما تجري الانتخابات سيسمعون أصواتنا وسيعدّون أصواتنا».
واللافت أن الحريري لم يأت على ذكر المملكة العربية السعودية، لكنه نأى بنفسه عن أي خلافات عربية وخليجية، وطالب بتطبيق اتفاق الطائف ومن بنوده إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس شيوخ ما يعني تغيير قانون الانتخاب الحالي الذي قلّص قدرة تأثير «تيار المستقبل» على مكوّنات أخرى في البلد.
ومن المعروف أن قانون الانتخاب الحالي القائم على 15 دائرة انتخابية على أساس النسبية مكّن المسيحيين من اختيار 53 إلى 54 نائباً مسيحياً بأصواتهم الذاتية من أصل 64 نائباً بخلاف ما كان عليه الحال في قوانين الانتخاب السابقة وخصوصاً في ظل النظام الأكثري، حيث كان سعد الحريري يختار معظم النواب المسيحيين في بيروت وعكار وطرابلس، وكان النائب السابق وليد جنبلاط يختار بدوره معظم النواب المسيحيين في الشوف وعاليه. فيما يختار الرئيس نبيه بري و«حزب الله» عدداً من النواب المسيحيين في الجنوب والبقاع الشمالي.
من هنا، تتكرّر المحاولات من حين إلى آخر للانقلاب على قانون الانتخاب الحالي بهدف العودة إلى تضخيم بعض الكتل المسلمة على حساب الكتل المسيحية، وهذا ما يثير الاشكالات بين هؤلاء الافرقاء ويتسبب بخلافات في ما بينهم.
في المحصلة، بين العاطفة والواقع تطرح أي عودة للرئيس سعد الحريري إلى العمل السياسي تساؤلات حول تموضعه وعلاقته بالقوى السيادية ومدى الاستفادة من الأخطاء السابقة والقدرة على تغيير الاتجاه العام في البلاد.

