أخبار عاجلة

فضيحة انتخابات المجلس الشيعي الأعلى

فضيحة انتخابات المجلس الشيعي الأعلى
فضيحة انتخابات المجلس الشيعي الأعلى

جاء في “نداء الوطن”:

في مقاربة لمسار الانتخابات في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يتبيّن أن الإشكاليّة لم تعد محصورة بتأخير تقنيّ أو خلاف إداريّ، بل باتت تعكس تحوّلًا بنيويًّا في النظرة إلى هذه المؤسّسة ودورها ووظيفتها التمثيليّة التي أنشئت من أجلها. فالقانون الذي أنشأ المجلس عام 1967 قام، في جوهره، على مبدأ التمثيل والانتخاب داخل الطائفة، بما يمنح المجلس شرعيّة دينية – اجتماعية نابعة من القاعدة الشيعية نفسها، كما أرادها سماحة الإمام المغيّب موسى الصدر، لا من فوقها. غير أن الممارسة اللاحقة، ولا سيّما خلال العقود الأخيرة، أفرغت هذا المبدأ تدريجيًا من مضمونه، عبر تعطيل الانتخابات، وتوسيع الاجتهادات، والتمديد المتكرّر للهيئات القائمة، ما حوّل الاستثناء إلى قاعدة، وأدخل المجلس في حالة دائمة من فقدان التجديد الديمقراطي.

في هذا السياق، يبرز الدور المحوريّ لثنائي حركة “أمل” و “حزب اللّه”، بوصفهما القوّتين الممسكتين فعليًا بمفاصل القرار السياسي والتمثيلي داخل الطائفة. فالتأخير المستمرّ في إجراء الانتخابات لا يمكن فصله عن ميزان القوى الداخلية، حيث لا يُنظر إلى المجلس بوصفه إطارًا تمثيليًا مفتوحًا، بل كجزء من منظومة سياسية – تنظيمية أوسع يُراد لها أن تبقى منضبطة ومضبوطة الإيقاع. ومن هنا، فإن تعطيل الاستحقاق الانتخابي لا يبدو ناجمًا عن فراغ تشريعيّ أو صعوبة لوجستيّة، بل عن خيار سياسي خبيث يفضل الإبقاء على واقع قائم مضمون النتائج بدل المجازفة بعملية انتخابية قد تفتح الباب أمام تعدّدية أو أصوات مستقلّة أو اعتراضات داخل البيئة نفسها.

الأخطر في هذا المسار يتمثل في ما يُحكى عن تحرّك منظم داخل مجلس النوّاب، يقوده عدد من نوّاب كتلتي “الثنائي”، باتجاه تمرير تعديل قانوني لقانون المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى النافذ، يحدّ جذريًا من أحقيّة التصويت، سواء عبر تضييق الهيئة الناخبة، أو حصرها بنخب دينية وإدارية مختارة، أو ربطها بشروط تجعل المشاركة الشعبية شبه مستحيلة. مثل هذا التوجّه، إذا ما أُقرّ، يشكّل انقلابًا على فلسفة القانون الأصليّ، إذ يحوّل الانتخاب من فعل ديمقراطي داخليّ جامع إلى عملية أقرب ما تكون إلى التعيين المقنّع، حيث تُفضي إلى النتائج مسبقًا داخل غرف القرار، ثمّ تُلبّس لاحقًا شكلًا قانونيًّا.

هذا المسار يطرح إشكاليّات عميقة على مستوى الشرعية، إذ إن مجلسًا يُفترض أن يمثل الطائفة الشيعية بكلّ تنوّعاتها ومكوّناتها، يصبح عمليًا ممثلًا لميزان قوى سياسية محدّدة، لا لإرادة عامة. كما أن حصر القرار داخل دائرة ضيّقة من القوى المهيمنة يضعف دور المجلس كمؤسّسة جامعة، ويحوّله إلى أداة إضافية في إدارة النفوذ السياسي والديني، بدل أن يكون مساحة تنظيميّة مستقلّة تعبّر عن حاجات الناس وشؤونهم الدّينية والاجتماعية، ويحدّ بشكل كبير من استقلاليّة رئاسة المجلس ودورها داخل الطائفة الشيعيّة، وعلى صعيد الدور الوطني الذي من أجله ناضل الإمام الصدر. وفي هذا الإطار، فإن المستفيدين من أيّ قانون يحدّ من أحقية التصويت هم، بوضوح، القوى المسيطرة حاليًا على المجلس، لأنها تضمن استمرارية السيطرة، وتمنع أيّ خرق محتمل، وتُبقي القرار محصورًا ضمن منظومة الولاء السياسي والتنظيمي.

أما التبعات، فهي تتجاوز الإطار الشيعي الداخلي لتطول صورة الدولة اللبنانية نفسها، إذ إن تحويل مؤسّسة رسميّة معترف بها بقانون صادر عن البرلمان إلى هيئة شبه معيّنة، يناقض أبسط مبادئ الحوكمة والتمثيل، ويكرّس منطق الاستثناء الطائفي الدائم، ويُضعف الثقة بأيّ إصلاح مؤسّساتي حقيقيّ. كما أنه يعمّق الفجوة بين القاعدة الاجتماعية الشيعية ومؤسساتها التمثيلية، ويفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان الصامت، حيث يُصادر حق المشاركة باسم “الاستقرار” و “الخصوصية”، فيما تُدار الشؤون العامة بمنطق الضبط لا الشراكة. من هنا، فإن معركة انتخابات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لم تعد أمرًا داخليًا، بل أصبحت اختبارًا جوهريًا لطبيعة العلاقة بين السلطة والطائفة، وبين القانون والهيمنة، وبين الانتخاب كحق، والتعيين كأمر واقع مقنّع بنصوص وتشريعات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اقتراب زوارق إيرانية من ناقلة نفط أميركية في مضيق هرمز
التالى زيلينسكي: ننتظر اجتماعات جديدة لتسوية الأزمة الأسبوع المقبل