كتب وزير الاقتصاد والتجارة "عامر بساط" في النهار:
عانى المودعون في لبنان ما يكفي.
وبعد سنوات من الحسابات المجمّدة، والخسائر المتراكمة، وغياب أي خطة واضحة للخروج من الأزمة ولإنهاء حالة الشلل هذه، أقرّت الحكومة مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واستعادة الودائع.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي الآن ليس بين مشروع القانون هذا وما يمكن أن يكون الحلٍّ المثالي، إذ لا حلول كاملة لأزمة بهذا العمق، بل بين اعتماد مسار واقعي قابل للتنفيذ، والاستمرار في الوضع القائم الذي لم يقدّم للمودعين سوى الانتظار من دون أفق.
لا شك في أن بعض الانتقادات التي طُرحت حول مشروع قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع" تتضمّن نقاطا جدّية وتستحق النقاش. لكن رفض المشروع يجب أن يرافقه تقديم بديل واضح، لأن الاعتراض من دون طرح عملي لا يغيّر الواقع، بل يمدّد أمد الأزمة.
فما الخطة القابلة للتطبيق والتي تؤدي إلى استعادة الودائع على نحو أسرع و أكثر شمولا؟
كثيرة هي الطروحات التي تبدو جذّابة عند النظر إليها منفردة، لكنها لا تشكّل حلولا متكاملة. فتحميل الدولة عبئاً فوق عبء يضعها أمام دين غير قابل للاستدامة، يتحمّل كلفته دافعو الضرائب والأجيال المقبلة. ومطالبة مصرف لبنان بتغطية كامل الخسائر تهدّد الاستقرار النقدي وتؤدي إلى استعمال أصول تعود إلى الاقتصاد ككل لا إلى القطاع المصرفي وحده. أمّا مساهمو المصارف فعلى رغم مسؤوليتهم الأكيدة والحتمية في تحمّل الخسائر، فإن رساميلهم وحدها لا تكفي لسد الفجوة. ومع أن المحاسبة واسترداد الأصول عنصران أساسيان لأي حل، لكنهما يتطلّبان وقتًا لا يملكه المودعون.
من هنا جاء خيار الحكومة اعتماد مقاربة متوازنة ومتكاملة. فمشروع القانون يوزّع المسؤوليات بين المصارف ومصرف لبنان والدولة، مع الحفاظ على الاستقرار المالي وحماية الاقتصاد الأوسع.
صغار المودعين هم في صلب اهتمام مشروع القانون هذا. فهم يشكّلون الغالبية الساحقة من أصحاب الحسابات، وبموجبه سيستردّون ودائعهم كاملة بوتيرة تفوق بأضعاف ما هو قائم اليوم. كذلك يضمن لكل مودع، بغضّ النظر عن حجم وديعته، استعادة أول مئة ألف دولار أميركي خلال أربع سنوات.
أمّا أصحاب الودائع الأكبر، فيوفّر لهم مشروع القانون مساراً واضحاً ومحدّداً للاستعادة التدريجية، بدل الغموض والاقتطاعات الضمنية السائدة اليوم. وسيحصل أصحاب هذه الودائع على أدوات مالية قابلة للتداول تولّد تدفّقات نقدية سنوية، ومدعومة بعوائد وأرباح أكثر من خمسين مليار دولار من أصول مصرف لبنان.
طُرح سؤال جدي عن مدى واقعية مشروع القانون في تأمين السيولة اللازمة لسداد حقوق صغار المودعين. والإجابة واضحة: نعم، مشروع القانون واقعي وقابل للتنفيذ. فمن جهة، هو يُلزم القطاع المصرفي ومصرف لبنان إعادة نحو 20 مليار دولار إلى المودعين خلال السنوات الأربع المقبلة، فيما يمتلك هذا القطاع اليوم، بما فيه مصرف لبنان، سيولة متاحة تُقدَّر بنحو 15 مليار دولار. أمّا الفارق المتبقّي، فلدينا ثقة راسخة بقدرة الاقتصاد اللبناني على توليد تدفّقات خارجية أكثر من كافية لتغطيته خلال السنوات المقبلة، بما فيها تدفّقات رسمية من مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والصناديق العربية.
ويجدر الذكر أن الدولة اللبنانية، من خلال مشاركتها المالية، ستكون مسؤولة عن ضخ سيولة في المصرف المركزي تستعمل لتغذية حساب استرداد الودائع.
كذلك أُثيرت تساؤلات عن طبيعة التعزيزات التي تستند إليها الأدوات المالية المخصّصة لكبار المودعين، وذهب البعض إلى القول إن مشروع القانون يبيع «سمكًا في البحر». هذا توصيف خاطئ ومضلِّل. بدايةً، إن أسلوب إصدار سندات مسندة بأصول (Asset Backed Securities) شائع في معظم الدول المتقدمة والناشئة. ثم إن مشروع القانون ينصّ بوضوح على إنشاء حساب خاص لدى مصرف لبنان مخصّص حصرا لخدمة هذه الأدوات، يُغذّى تدريجا من عائدات أصول مصرف لبنان التي تُقدَّر بنحو 50 مليار دولار، إضافة إلى عائدات بيع هذه الأصول عند حصول تلك المبيعات. إن الإدارة السليمة والفعّالة لهذه الأصول، كفيلة بتأمين السيولة اللازمة لخدمة السندات. بل إننا واثقون بوجود سيناريوات واقعية ومتوازنة قد تتيح سداد هذه السندات حتى قبل تاريخ استحقاقها.
في هذا الإطار، يُطرح سؤال مشروع عن إمكان استخدام احتياطات الذهب. الجواب القانوني واضح ولا يحتمل التأويل. فبموجب قانون عام 1986، تُمنع الحكومة من التصرّف بهذا الأصل أو المساس به في أي شكل.
هذا الحظر صريح وملزم، ولكن لا يعني ذلك إقفال الباب أمام نقاش وطني في المستقبل حول ما إذا كان للذهب دور في دعم التنمية أو تحفيز النمو. وفي جميع الأحوال، تشير التقديرات إلى أن أصولًا أخرى غير الذهب قادرة على توليد عوائد كافية، مدى السنوات المقبلة، لخدمة السندات.
وتشكّل المحاسبة ركيزة أساسية في مشروع القانون. فبموجبه سيخضع مصرف لبنان وجميع المصارف لتدقيقات محاسبية وجنائية دولية وتقييمات شاملة لجودة الأصول، تشمل مراجعة العمليات السابقة غير النظامية، والهندسات المالية، والأرباح المفرطة، والتحويلات المشبوهة. وتتكامل هذه الإجراءات مع المسارات القضائية والرسمية القائمة، ولا تحلّ محلّها أو تنتقص منها.
من جهة أخرى، يضع مشروع القانون إطارا واضحا لخروج المصارف من حالة الجمود والموت السريري. ذلك أنه سيفرض إعادة تقييم لجودة أصول المصارف وفق المعايير الدولية، مع حصر خسائر كل مصرف ضمن الرساميل القائمة وتفادي الوقوع في حقوق ملكية سلبية. كذلك يكلّف مصرف لبنان وضع خطط إعادة رسملة تمتد لخمس سنوات بهدف العودة إلى الامتثال لمعايير "بازل 3".
هنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة تعيد تأكيد خيارها الإستراتيجي بالسعي إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لما يمثّله ذلك من مدخل أساسي لاستعادة ثقة الشركاء الدوليين بلبنان. وكما هو معروف، يشكّل قانون استرداد الودائع أحد الملفات المتبقية قيد النقاش مع الصندوق. وهذه النقاشات ستتواصل في الأسابيع المقبلة، بوتيرة سريعة وبنّاءة. وهناك إشارات واضحة إلى أن الصندوق النقد يعتبر أن المقاربة المعتمدة في مشروع القانون منسجمة مع المعايير الدولية.
أخيراً، هناك من اعتبر أن مشروع القانون يعفي الدولة من مسؤولياتها. هذا غير صحيح أطلاقاً. فمع أن حجم الدين المترتّب لمصرف لبنان لا يزال قيد النقاش القانوني، يعيد المشروع تأكيد التزام الدولة المساهمة عبر أدوات مالية مدرّة للفوائد، وإعادة رسملة المصرف المركزي عند الحاجة. وتاليا، فإن حجم مشاركة الدولة لن يكون ضئيلاً أو هامشياً.
الأهم، أن مشروع القانون هذا ليس نهاية المسار، بل بدايته. هو إطار قابل للنقاش والتطوير خلال مرحلتي التشريع والتنفيذ. ولكن ما لم يعد مقبولا هو الاستمرار من دون أي خطة.
وهكذا، بعد سنوات من التعطيل، يقف لبنان أمام خيار واضح: إمّا المضيّ في مسار عملي، وإما البقاء في دائرة الانتظار. والمودعون يستحقّون مسارا واضحا إلى الأمام.



