كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:
في بلدٍ تتآكل فيه فرص العمل ويتراجع فيه الدخل إلى مستويات غير مسبوقة، لم يعد اللجوء إلى التجارة عبر الإنترنت خيارًا بقدر ما بات ردّ فعل مباشرًا على الانهيار. آلاف اللبنانيين وجدوا في صفحات “فيسبوك” و “إنستغرام” مساحة مفتوحة لبيْع منتجاتهم أو خدماتهم، بحثًا عن مصدر رزق إضافي أو وحيد، في ظلّ غياب أي شبكة أمان اجتماعي أو دعم رسمي…خلف كل صفحة بيْع على وسائل التواصل، قصة ضيقٍ اقتصادي ومحاولة نجاة.
المسألة المطروحة ليست في “نوايا” العاملين عبر الإنترنت، بل في غياب الأطر القانونيّة التي تُنظم هذا النشاط وتضمن عدالة السوق. من دون هذا التنظيم، تحوّلت تجارة الأونلاين تدريجيًا من حلّ معيشي مشروع إلى سوق موازية تُفاقم الاختلالات الاقتصادية وتُضعف المنافسة العادلة.
سوق موازية
لم تعد التجارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي نشاطًا هامشيًا أو عابرًا، بل باتت قطاعًا غير معلن ينمو بوتيرة متسارعة. من الملابس والأحذية، إلى مستحضرات التجميل، الأطعمة المنزلية، والإكسسوارات، تنتشر آلاف الصفحات التي تبيع يوميًا بلا تسجيل تجاري، بلا فواتير، وبلا أي التزامات ضريبية أو رقابية.
اقتصاديًا، يعود هذا التوسّع إلى انخفاض كلفة الدخول إلى السوق الرقمية مقارنة بالتجارة التقليدية. لا إيجارات، لا فواتير مرتفعة، ولا تراخيص. هاتف ذكي وخدمة توصيل كافيان لبدء النشاط. إلا أن هذه السهولة نفسها تخلق اختلالًا خطيرًا في بنية السوق.
المستهلك بين الحاجة والمخاطرة
من جهة المواطنين، يلعب العامل المادي الدور الحاسم. تقول ناديا، وهي موظفة في القطاع العامّ: “أشتري أونلاين لأن الأسعار أقل بكثير، وليس لأنني واثقة. أحيانًا “أنغشّ”، لكن في بعض الأحيان أوفر”.
ويقول علي، وهو ربّ عائلة: “لا يوجد ضمان ولا فاتورة. إذا كان المنتج سيئًا أو مغشوشًا، لا تستطيع أن تشتكي. لكن الدخل لم يعد يكفي”.
تعكس هذه الشهادات واقعًا مريرًا، حيْثُ أن المستهلك مضطر للمغامرة في سوق غير منظمة بسبب تراجع قدرته الشرائية.
إذًا، وفي ظلّ نموّ تجارة الأونلاين خارج الأطر التنظيمية، برزت إشكاليات تتعلّق بحماية المستهلك، مع تسجيل حالات غش ناتجة عن غياب الشفافية وعدم تكافؤ المعلومات.
في هذا الإطار، يوضح مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة محمد أبو حيدر لـ “نداء الوطن”، أنه “ومن بعد جائحة كورونا، سجّل لبنان ارتفاعًا ملحوظًا في حجم عمليات الشراء عبر الإنترنت، ما أدّى إلى تزايد الشكاوى الواردة من المواطنين بشأن هذا النوع من التجارة. وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن هذه الشكاوى تنقسم بشكل أساسي إلى فئتيْن.
الفئة الأولى، تتعلّق بعدم مطابقة المنتج المعلن عنه مع السلعة التي يتسلّمها المستهلك فعليًا، حيث تُعرض المنتجات عبر الصور والمواصفات بطريقة تختلف عمّا يصل إلى المشتري، ما يُشكّل خللًا في معايير الشفافية والثقة في السوق الرقمية.
أما الفئة الثانية، فترتبط بغياب الوضوح في التسعير والفواتير، إذ لا يتم في كثير من الأحيان توضيح كامل التفاصيل المرتبطة بالكلفة النهائية، سواء لناحية احتساب الضريبة، أو ما إذا كان السعر يشمل خدمة التوصيل، الأمر الذي يؤدي إلى فروقات في الأسعار عند الاستلام، ويضع المستهلك أمام التزامات لم تكن معلنة مسبقًا”.
أمام هذا الواقع، يلفت أبو حيدر إلى أن “الجهات المعنية شهدت ارتفاعًا في عدد الشكاوى، في وقت بات فيه حجم المخالفات يتجاوز القدرة التقليدية على المتابعة، ولا سيّما مع لجوء بعض الصفحات المخالفة إلى إقفال حساباتها وإعادة الظهور تحت مسمّيات جديدة، ما يصعّب عملية المراقبة المستمرة”.
وفي هذا السياق، يوضح أن “المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ولا سيّما مكتب المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية، تقوم بجهد جبّار في هذا الملف وذلك بعد إحالة وزارة الاقتصاد الشكاوى للمساعدة”.
أما الشكاوى التي تقع ضمن نطاق عمل الجهات الرقابية المختصة، فيلفت أبو حيدر إلى أنه “يجري التعامل معها عبر استدعاء أصحاب الصفحات المعنية ومحاولة معالجة المخالفة بشكل مباشر. وفي حال تعذر الحل، يتم تنظيم محاضر ضبط تضمن للمستهلك استعادة حقوقه، على أن تُحال الملفات التي تتجاوز الصلاحيات الإجرائية إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لاستكمال المتابعة القانونية”.
منافسة غير عادلة
في المقابل، يدفع أصحاب المحال التجارية الثمن الأكبر. يقول صاحب متجر ملابس في مار الياس: “نحن ملتزمون بكل شيء: إيجار، ضرائب، رسوم بلدية، كهرباء، وضمان اجتماعي. كيف ننافس صفحة تبيع من المنزل بلا أي التزام؟”.
ويضيف تاجر آخر في شارع الحمرا: “لسنا ضد أن يعمل الناس، لكن لماذا يُعاقَب الملتزم ويُكافأ المخالف؟ هذه ليست تجارة حرّة، بل فوضى. هذا ما دفع عدد من أصحاب المحال إلى الإقفال نتيجة عدم تحملهم الخسائر”.
عليه، فإن “هذه المنافسة غير المُتكافئة تُسرّع إقفال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتُفاقم البطالة، وتُضعف الدورة الاقتصادية الرسمية”.
دولة غائبة… وخسائر تتراكم
إذًا، الأخطر أن هذا النشاط يتمّ في غياب شبه تام لأي إطار قانوني أو تنظيمي. لا تسجيل إلزامي، لا نظام ضريبي مُبسّط، ولا رقابة فعلية. ما يفتح الباب واسعًا أمام التهرّب الضريبي وخسائر تقدّر بملايين الدولارات سنويًا، في وقت تعاني فيه خزينة الدولة من عجز مزمن.
وفي ما يتعلّق بقيمة “الخسائر الضريبية”، فإنّه في “ظلّ غياب التسجيل الإلزامي والرقابة الضريبية، تبقى تجارة الأونلاين خارج دائرة الإحصاء الرسمي، ما يخلق فجوة معلوماتية تحول دون احتساب الخسائر الضريبية بدقة، وتحدّ من قدرة الدولة على صياغة سياسات مالية قائمة على بيانات”.
وهكذا، تتحوّل التجارة الإلكترونية من فرصة محتملة لتنظيم الاقتصاد الرقمي، إلى عامل إضافي لاستنزاف المالية العامة وضرب ما تبقى من اقتصاد منظم.
الحل ليس بالمنع
لكن الحلّ ليس في منع المبادرات الفردية، بل يكمُن في وضع تشريعات واضحة لتنظيم التجارة الرقمية:
في هذا الصدد، يُشير رئيس تجمع الشركات اللبنانية باسم البواب لـ “نداء الوطن”، إلى أن “قطاع تجارة الأونلاين والتوصيل السريع يشهد نموًا متسارعًا عالميًا، وهو توجه أصبح جزءًا أساسيًا من السلوك الاستهلاكي في مختلف الأسواق، بما فيها لبنان. فسرعة التوصيل، التي تصل في بعض الحالات إلى ثماني أو عشر دقائق، لم تعد مقتصرة على المواد الغذائية، بل امتدت لتشمل الملابس، الإكسسوارات، والسلع الاستهلاكية الأخرى، متفوقة في بعض الأحيان على قدرة المستهلك على التوجه شخصيًا إلى المتاجر التقليدية”.
ويلفت إلى نقطة هامّة وهي أن “هذا التحوّل السريع يضع “تجارة الأونلاين” في قلب النشاط الاقتصادي الحديث، ويستدعي اعتماد أطر تنظيمية وقانونية واضحة لضمان استدامتها وسلامتها. والتي يجب أن تتمّ، عبر:
المراقبة والضبط: يجب متابعة جميع المنصات والصفحات الإلكترونية للتحقق من نزاهة العمليات التجارية، ومنع أي ممارسات غير قانونية مثل الغش، التزوير، أو تداول العلامات التجارية المقلّدة. هذه الضوابط ضرورية لحماية المستهلك، وضمان بيئة تجارية عادلة ومستقرة.
الإطار القانوني: من الضروري سن تشريعات خاصة بالتجارة عبر الأونلاين تنظم عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت، وتحدد حقوق والتزامات الأطراف المختلفة، وتضع آليات لمعالجة النزاعات المرتبطة بالغش أو التزوير أو السلع المقلّدة.
المعاملة الضريبية المُتكافئة: يجب أن تخضع التجارة الإلكترونية لنظام ضريبي منظم، يعادل المعاملة التي يخضع لها النشاط التجاري التقليدي. هذا الإجراء يضمن العدالة التنافسية، ويمنع التشوهات الاقتصادية الناتجة عن عدم تقنين هذا القطاع الحيوي”.
حق العيش وضرورة التنظيم
في المحصلة، لا يُمكن مقاربة تجارة الأونلاين بمنطق المنع أو القمع، كما لا يُمكن الاستمرار في تجاهلها. التحدّي الحقيقي يكمن في تنظيم هذا القطاع بما يحفظ حق الأفراد في العمل، ويؤمّن المنافسة العادلة، ويحمي المستهلك، ويُعيد إدخال هذا النشاط ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية.
ففي بلدٍ لم يعد يحتمل المزيد من الفوضى، يبقى السؤال مفتوحًا: “هل تتحمّل الدولة مسؤوليتها وتُنظم هذا الواقع، أم تترك السوق ينهار أكثر على حساب الجميع؟”.



