ولأن الخطة الاصلاحية للحكومة تعتمد في شكل اساسي على تأمين تمويل عاجل من صندوق النقد الدولي بقيمة 10 مليار دولار، فإن المفاوضات معه لن تكون بالأمر السهل، كما يحاول البعض إقناع نفسه، لأن لا امكانية لحصول لبنان على هذا المبلغ، اذ أن "الكوتا" المسموحة للبنان من الصندوق تتيح له الحصول على قرض بحدود 3.5 مليارات دولار، وبالتالي تبقى اشكالية تأمين باقي المبلغ المطلوب من مصادر أخرى.
هذا اضافة الى أن هناك مخاوف جدية من خيار الدخول في برنامج الاقتراض مع الصندوق، وهذه المخاوف ناتجة عن شروط الصندوق التي تُفرض على الدول وتؤدي الى خلل في الاقتصاد وتلحق الضرر بالطبقة الوسطى وتزيد من الاجحاف بحق الطبقة الفقيرة، وقد تتمثل أهم الآثارالتي قد تتعرض لها هذه الطبقة بسبب قرض الصندوق بغلاء المعيشة اذ قد يشترط صندوق النقد تقليل معدلات الدعم بشكل عام، وضمناً تخفيض دعم أسعار السلع الأساسية وتخفيض أو إلغاء دعم الطاقة ورفع الضرائب حتى يضمن الصندوق قدرة الدولة على سداد قيمة القرض والفوائد المترتبة عليه.
انّ الشروط التي قد يضعها صندوق النقد تؤدي حتماً إلى تآكل الطبقة الوسطى، وإعادة إنتاج طبقة جديدة مؤلفة من "أبناء الطبقة الوسطى" الذين هبطوا إلى مستوى الطبقة الفقيرة.
ويمكن أن نأخذ مثالاً على ذلك من تجربة فنزويلا التي لجأت في التسعينيات من القرن الماضي إلى الاقتراض من الصندوق ففرض عليها إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية للدولة، والتحكم في معدلات الأسعار والضرائب وأسعار الطاقة والمواد النفطية، وهو ما تسبب في ارتفاع معدلات الفقر والجريمة والتهميش الاجتماعي، وهذه دوامة لا تنتهي، ولا سيما أننا في لبنان نعاني من جميع الأزمات المذكورة وإن اقتراض أي فلس مشروط من صندوق النقد الدولي سيفاقم الازمة.
ولما كانت الدولة اللبنانية مدينة أصلا بمبالغ ناهزت ال 90 مليار دولار، فلن يكون بالتالي الحل بالاستدانة الجديدة لا سيما وان المبلغ المطلوب بحسب الخطة الحكومية يمكن تأمينه من مصادر مختلفة وعن طريق إجراءات يمكن السير بها، كضبط المعابر غير الشرعية وتنظيف الإدارة من موظفي التوظيف السياسي ووقف التهريب عبر المرافىء الشرعية البحرية والبرية والجوية وضبط الهدر في مؤسسة كهرباء لبنان وترشيد الإنفاق، إلى ما هنالك من إجراءات تتطلب جراءة وإقدامًا، وبالأخص في ما يتعلق بمكافحة الفساد.
وحيال كل ذلك يبدو أن ثمة مؤشرات لا بدّ من التوقف عندها، أولها عدم لجوء الأمين العام لـ"حزب الله" إلى التصعيد، وهو كان ميالًا إلى المهادنة، مما طرح أكثر من علامة إستفهام حول مواقفه المهادنة، على رغم أنه حدد للحكومة خارطة طريق لكيفية تعامله مع صندوق النقد الدولي.
أما ثاني هذه المؤشرات فأتت من جانب "القوات اللبنانية" عبر مشاركة الدكتور سمير جعجع في لقاء بعبدا، على رغم إعتراضه على الخطة الحكومية، وقد خطف الأضواء بحضوره في هذا الظرف الدقيق، وإن كان البعض يميل إلى الإعتقاد أن جعجع حضر إلى بعبدا نتيجة نصيحة ما من الداخل وليس من الخارج.



