حتى الآن تعتبر خسائر الحزب محدودة، سواء أكان أكثر الاحزاب خسارة ام اقلها، لذلك لا يزال يتعامل ببرودته المعهودة مع التطورات السياسية والاجتماعية والمعيشية، ينظر إلى المواجهة بوصفها مع الأميركيين أولاً ومع ديناصورات الدولة العميقة ثانياً، ولأن اسلوب الحرب مع هذين الطرفين مختلف، فهو يحاول الموازنة بينهما.
يعتقد الحزب أن الأميركيين فعلوا تقريباً اقصى ما يمكنهم، واستعملوا كل اسلحة الحصار الممكنة ضده وضد لبنان، "لم يعد ينقص سوى منعنا من استيراد القمح"، لذلك يجب تحمل جرعة الضغط الحالية لأن الهدف الاميركي في النهاية هو المفاوضات وواشنطن لا تساهم بالإنهيار لأجل الإنهيار.
في قراءة هادئة، هناك من في داخل "حزب الله" ينظر الى اللعب على حافة الهاوية كاسلوب ناجح، وهو يشبه الرقص على حبل من نار، فيه ادراك لنقاط ضعف العدو وقدرة كبيرة على التحمل من دون تقديم التنازلات، هو تفاوض تحت النار خبره الحزب كثيراً لكن الفرق ان النار هنا اقتصادية ومالية لا تطاله هو بل تطاله بيئته الواسعة.
لا يريد الأميركيون الإنهيار في لبنان، أو الأصح لا يريدون الإنهيار الكامل، هم يضغطون لأجل امرين: الأول تحريك بيئة "حزب الله" ودفعها الى الأنشقاق عنه، والثاني هو جرّ الحزب الى خطأ من النوع القاتل كالذهاب الى اقتتال داخلي وفتح جبهات هنا وهناك، وحتى الآن لا يبدو ان الحزب سينجر الى مثل هذه الأمور. لكن واشنطن لا تريد الإنهيار التام مع ما يرافقه من فوضى لا يمكن ضبطها، لأن في ذلك تهديداً مباشراً لإسرائيل، وقد يؤدي الى تفلت مقصود للجبهة الجنوبية.
في المشهد ايضاً قوى سياسية محلية حليفة لواشنطن لكنها تجد مصالحها متمايزة قليلاً في التكتيك، يكاد ثلاثي "الاشتراكي"، "المستقبل" و"القوات" لا يتفق على شيء الا على عدم رغبته في مقاتلة "حزب الله"، يريدون الضغط على الحكومة، كل لسبب، لكن من دون اجتياز الخط الأحمر مع الحزب علماً ان واشنطن لا تريد منهم الا تجاوز هذا الخطّ.
للمرة الأولى، يلعب "حزب الله" ورقة اعلامية ناجحة في كل المعايير. فقد استطاع والحكومة بعد معرفته أن بعض القوى السياسية تحضّر لتحركات شعبية، من توجيه هذا الحراك. خاض معركة اعلامية ناجحة أوحت بأن الاحزاب في ١٤ آذار تتحضّر لركوب موجهة الحراك، وساعده في ذلك التصريحات المتتالية من هنا وهناك لقياديي هذا الفريق، وتبع هذا الأمر معركة سياسية في الحكومة ضد رياض سلامة اظهرت الرجل بأنه المسبب الاول للاوضاع الراهنة، ما قلب الحراك الشعبي الى ما يرغبه الحزب. الفوضى الموجهة.
في اللحظة الاولى التي بدأت فيها التحركات الشعبية كانت تحركات سياسية مطلقة، وبعكس ما حصل في ١٧ تشرين انقلبت الآية. تحرك الشارع المتألم من الأوضاع المعيشية ضد المصارف ومصرف لبنان وسيطر على الشارع في اكثر مناطق الخصومة مع "حزب الله"، في طرابلس وصيدا وبيروت، ذهبت المدن الثلاثة الى درجات مختلفة من الفوضى الموجهة ضد المصارف الخاصة وضد المصرف المركزي، الأمر الذي اضعف فاعلية الحراك ضد حكومة حسان دياب.
يعرف "حزب الله" أنه في النهاية لا مفر من التفاوض، وفي المفاوضات عليه أن يكسب أكثر ويقدم تنازلات أقل وعقله البارد يساعده على ذلك،وما يساعده أكثر هدوء بيئته والتزامها وعدم ذهابها الى الفوضى بعد. في مسألة الكسب يعمل الحزب على القضم في الدولة العمقية من خلال حكومة دياب التي تتخذ قرارات تدريجياً تفيد مشروع الحزب الداخلي، وقد تصل الى اقالة سلامة او تعيين نواب له، واقرار ضرائب ضد المصارف وغيرها من الاجراءات التي تساهم في احداث تحول وتكريس آخر، كل ذلك مستنداً الى الحراك وتحت حجة تلبية المطالب وخطر الانهيار.
يدخل "حزب الله" تدريجياً الى الدولة العميقة، بالتزامن مع استعداد للحوار مع الاميركيين لم يحن موعده بعد، هو يدرك ان واشنطن لا تريد الفوضى الكاملة، وعليه لا تريد اسقاط الحكومة. ومن هنا تعرف الحكومة مقامها وتتدلل وتأخذ هامشاً واسعاً من حرية الحركة والعمل حتى وان كان لا يصيب مصلحة الاميركيين. في المفاوضات يريد "حزب الله" استعادة الانتعاش الاقتصادي، ويريد الاميركيون الحدود البحرية والسلاح النوعي. والطرفان يعتقدان أن الوقت لم يحن بعد. فواشنطن ترى ان الانتظار اكثر يمكن أن يدفع الحزب الى تقديم تنازلات ليس مستعداً لتقديمها الآن، والحزب يرى أن الفوضى الآتية، إن كانت مضبوطة وموجهة، قد تفرض تنازلات اميركية مجانية يبدأ بعدها التفاوض من موقع قوة.
وفق هذه الرؤية للحزب، صرخ الأميركيون امس اذ صرحت السفيرة الاميركية في لبنان مؤيدة الحراك المحق، رافضة اعمال العنف والفوضى. وكذلك نُقل عن مصادر في وزارة الخارجية الأميركية أن الأميركيين يرتابون من الفوضى وتحديداً اذا كانت ضد المصارف.
قد يخسر "حزب الله" من الفوضى وقد تكون خسائره جدية لكنها لن تكون ابداً خسائر استراتيجية لأسباب كثيرة. وبعد انتهاء الفوضى، حتى لو دامت لسنوات، سيبقى الحزب قوياً، في حين ان النفوذ الاميركي في لبنان قد يتلاشى. هذا ما يعلمه الاميركيون، اول من سيتضرر في الفوضى الكاملة هو القطاع المصرفي الحليف الاساسي والافعل لواشنطن والذي لن يتحمل الاستهدافات المتنقلة له، وثاني المتضررين الجيش اللبناني الذي قد يواجه مصيراً صعباً في حال انهيار الليرة الى حدود كبيرة، وهو المؤسسة الذي تحتفط واشنطن داخلها بنفوذ واسع، ثالث المتضررين احزاب ١٤ آذار التي قد تفقد الكثير من شرعيتها الشعبية خلال الفوضى، في حين ان "حزب الله"، ولأسباب مرتبطة بمصادر استمداد شعبيته وامكانياته المادية والمالية والتنظيمية، سيحافظ على جزء اساسي من قوته الشعبية والعسكرية.
من هنا يمكن قراءة تصريح السفيرة الأميركية امس، "مع الحراك، ضد الفوضى". ومن هنا قد نجد "حزب الله" في المرحلة المقبلة يزيد تحميل المصارف ومصرف لبنان مسؤولية الانهيار للاستمرار في توجيه الحراك الشعبي. ومن هنا ايضاً تأتي الاتصالات الفرنسية مع الحكومة اللبنانية. فالأوروبيون ايضاً متضررون من الفوضى الكاملة. فموجات النزوح التي قد تحصل لن تقتصر على السوريين واللبنانيين والفلسطينيين الذين يعيشون في لبنان، بل سيأتي السوريون من سوريا الى لبنان للسفر بحراً الى اوروبا.
المواجهة مستمرة في ظل عدم وجود أي طاولة حوار حالية تجمع المتصارعين، لكن داخل حدود ستكون معروفة اكثر لا يمكن تخطيها.



