من غير الطبيعي أو المنطقي أبدًا ألاّ يدافع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن حكومة "الفرصة الأخيرة" للعهد، الذي بدأ ينهي النصف الثاني من ولايته، وهو بذلك، وقبل ذلك، حاول ويحاول لمّ شتات المكونات السياسية، التي تتألف منها الحكومة، وهم في شكل اساسي العمود الفقري لها، ومن بينهم من يغردّ خارج سرب العهد كالرئيس نبيه بري ورئيس تيار "المردة" الوزير السابق سليمان فرنجية، فيما يقوم حليفهما المشترك، أي "حزب الله" مقامهما في الأمور المفصلية، وهو قادر على أن يمون على حليفيه من أجل عدم فرط العقد الحكومي، وهو يقف بالتوازي إلى جانب "التيار الوطني الحر"، في مواجهة "بعض السياسيين الذي ينتقد عمل الدولة ومؤسساتها، هو من الذين فتكوا بالدولة على مر السنوات وارتكبوا المخالفات المالية وغير المالية، حتى تراكم الدين العام للدولة ليتجاوز 92 مليار دولار. وها هو هذا البعض يحاسبنا على ما ارتكبه من ممارسات".
وهذا الكلام هو للرئيس عون، الذي قصد بـ"بعض السياسيين" في شكل حصري الرئيس سعد الحريري، من دون أن ينسى الوزير السابق وليد جنبلاط، وبالطبع "القوات اللبنانية"، وهم غير ممثلين بحكومة "اللون الواحد"، ويقفون في وجه الحكومة ويضعون العصي في دواليبها، كل من موقعه، ووفق ما تمليه عليه المواقف التي قد تكون مرتفعة السقف أحيانًا، ومسايرة أحيانًا أخرى، لكنها كانت موحدّة تقريبًا في إنتقادها "الخطة الإنقاذية الإقتصادية" لحكومة حسّان دياب، الذي حاول بالأمس ايضًا إعتماد سياسة هجومية، بالتزامن مع إنتقال رئيس الجمهورية من سياسة الدفاع إلى سياسة هجومية، إذ "لا يجوز بعد اليوم السكوت على التجني المتصاعد، ولا بد من وضع الحقائق امام الرأي العام بكل تجرد حتى يكون الشعب هو الحكم في النهاية. فالنقد العشوائي غير مقبول والاساءات مرفوضة، خصوصا ممن كان تاريخهم مليئا بالتجاوزات والارتكابات والاعتداءات على الدولة ومؤسساتها واملاكها".
وحيال هذا الموقف غير المستجدّ للرئيس عون يسأل المتسائلون عن "التسوية الرئاسية"، التي كان مقدّرًا لها أن تصمد في وجه الأعاصير السياسية طيلة العهد. ويقول المتسائلون: لو لم تسقط هذه التسوية عندما إستقال الحريري من دون التشاور مع الرئيس عون، فهل كان الكلام الرئاسي سيرد بحرفيته كما ورد بالأمس، وهل كان سيحمّل شريك التسوية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع من تدهور وشلل على كل المستويات، سياسيًا وماليًا وإقتصاديًا.
الذين يعرفون بواطن الأمور يقولون أن "شهر العسل" بين فريقي "التسوية الرئاسية" لم يكن كله عسلًا، إذ تخللته مواقف متباينة بين قصر بعبدا و"بيت الوسط"، وكان أحد عرابي هذه التسوية، الوزير السابق جبران باسيل، يضطرّ في كل مرّة تهتز هذه العلاقة للتدخل لإعادة الأمور إلى طبيعتها، على رغم إعتراف الحريري عندما خرج من الحكم بأنه حاول "تأمين استقرار للعلاقة بين رئاستَي الجمهورية والحكومة لأن الاستقرار يستحق الصبر. والخلاف بين الرئاسات نتيجته التعطيل... لكنني تعاملت مع رئيسين، كان مطلوباً مني أن أؤمّن العلاقة مع رئيس الظلّ لأؤمّن العلاقة مع الرئيس الأصلي".
وفي رأي هؤلاء العارفين أن "التسوية الرئاسية" قد أصبحت من الماضي،
وإستحقاقات اليوم هي نقيض ما كانت عليه الأمور بالأمس، لأن طبيعة مواجهة التحديات قد تغيرّت، وأن التعاطي اليوم مع المستجدات قائم على واقع جديد وعلى خلفية حكومة مختلفة في الشكل وفي الجوهر عن سابقاتها من حكومتي العهد.
ويتوقع بعض المراقبين أن تتضمن السياسة الهجومية تفنيدًا للمواقف التي ستعارض العمل الحكومي، وستدخل ردات الفعل في تفاصيل التفاصيل "حتى لا تبقى الأمور ملتبسة على الرأي العام في الداخل وفي الخارج".
