تصاعدت الأزمة الدبلوماسية بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي على خلفية اتهام لندن لموسكو بمحاولة قتل العميل الروسي المزدوج السابق، سيرغي سكريبال (66 عاما)، وابنته "يوليا" (33 عاما)، على الأراضي البريطانية، باستخدام "غاز الأعصاب"، وهو ما نفته الأخيرة، وقالت إنها تطالب بتحقيق مستقل وشفاف في الحادثة.
وأبدى خبراء في الاقتصاد الدولي مخاوفهم من انعكاس تلك الأزمة الدبلوماسية على العلاقات الاقتصادية فيما بينهما، وهو ما قد يؤدي إلى اندلاع أزمة مالية عالمية جديدة، سيدفع الجميع فاتورتها، وخاصة الدول النامية والعربية.
وقررت الخارجية الروسية، أمس الجمعة، طرد 54 دبلوماسيا من 20 دولة، أعلنت تضامنها مع بريطانيا في قضية محاولة قتل سكريبال، فيما احتفظت بحق الرد على 4 دول أخرى.
وشمل القرار الروسي، كل من كندا، إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، هولندا، إسبانيا، أوكرانيا، السويد، النرويج، الدنمارك، كرواتيا، إيرلندا، رومانيا، فنلندا، بولندا، لاتفيا، تشيكيا، مولدوفا، إستونيا، ليتوانيا، فيما احتفظت موسكو بحق الرد على بلجيكا وهنغاريا والجبل الأسود وجورجيا.
وفي الإطار ذاته أعلنت الخارجية الروسية، الخميس، أنها قررت طرد 60 دبلوماسيا أمريكيا، وإغلاق قنصلية واشنطن في مدينة سان بطرسبورغ (غرب).
وكانت لندن قد طردت، 23 دبلوماسيا روسيا، في 14آذار الجاري، وهو ما ردت عليه الأخيرة بطرد 23 دبلوماسيا بريطانيا.
الجميع خاسر
وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة السوربون في باريس والخبير في المالية الأوروبية كميل ساري إن التوترات السياسية والاقتصادية على الصعيد العالمي دائما واردة، وعادة ما يكون لها تأثيرات سلبية على الاقتصاد.
وأوضح في تصريحات خاصة أن مقاطعة روسيا من طرف الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية في أزمة القرم عام 2014 عقب الثورة الأوكرانية التي أطاحت بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش وحكومته، تسبب في البداية في هبوط الناتج المحلي الإجمالي الروسي.
وتابع: "حاولت روسيا التغلب على أزمة هبوط ناتجها المحلي، عن طريق تنويع صادراتها ووارداتها، وقررت الاستغناء بدورها عن وارداتها الأوروبية وقاطعت المواد الفلاحية الأوروبية ، الأمر الذي سبب ضرر كبير للمزارعين والفلاحين الفرنسيين".
وأكد ساري أن روسيا ودول أوروبا لا يمكنهم الاستغناء عن بعضهم مضيفا: "روسيا تقدر ما تحتاج إليه أوروبا من الغاز، وهي تعد أكبر مصدر غاز للسوق الأوروبي، وأوروبا لا يمكنها الاستغناء عن الغاز الروسي، وبالتالي في حالة انتقال الأزمة الدبلوماسية إلى العلاقات الاقتصادية بين تلك الدول فالكل سيكون خاسرا".
وأردف: "في تقديري أن الولايات المتحدة هي من تدفع إلى تسخين حدة المواجهة بين روسيا والدول الأوربية، لأن الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تريد أن تظل الطرف الأقوى على الصعيد العالمي، ولا تريد أقطابا معادية لها خاصة بعد استعادة روسيا، في عهد بوتن، قوتها العسكرية وبدأت في خلق توازن ربما مع الولايات المتحدة وهذا لا يرضي أمريكا".
الفخ الأميركي
وأشار إلى أن أوروبا تقع دائما في الفخ الأميركي وهي من تدفع الفاتورة، مضيفا: "الولايات المتحدة بدأت في تحركات حتى ضد حلفائها بحيث أنها اتخذت إجراءات حمائية ضد العديد من الدول من ضمنها الصين وحتى أوروبا من خلال فرض رسوم على الحديد والألمونيوم، وإن كانت أعفت أوروبا حاليا من تلك الرسوم فهي هدنة مؤقتة".
وأكد أستاذ الاقتصاد بجامعة السوربون في باريس أن "الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتبع استراتيجية خلق الأمر الواقع، ويود ابتزاز الجميع من أجل الحصول على بعض التنازلات لصالحه". وتوقع ساري أن تنحصر أزمة الجاسوس الروسي المزعومة في طرد الدبلوماسيين المتبادل، مستبعدا أن تمتد إلى العلاقات الاقتصادية بين دول الأزمة، على الأقل في المدي القصير، بحسب قوله، لافتا إلى أن تشابك المصالح بين الدول ربما يقلل من امتداد الأزمة الدبلوماسية إلى الاقتصاد.
وحول مدي تأثر الدول العربية حال انتقال الأزمة إلى العلاقات الاقتصادية بين روسيا وأوروبا، قال إن بعض الدول العربية يمكنها الاستفادة من ذلك، فربما يتيح اندلاع أزمة اقتصادية بين روسيا وأوربيا الفرصة لدول مثل روسيا والمغرب بتصدر المواد الفلاحية إلى روسيا، وكذلك الدول المنتجة للنفط والغاز التي أبرمت اتفاقية مع روسيا لتخفيض الإنتاج.
وطالب ساري بضرورة تطبيق الاندماج الاقتصادي العربي وخلق تكتل موحد عربيا وقوة اقتصادية وسوق جديد لتقليل التبعية لتلك الدول، مؤكدا أنه على المدى الطويل سيكون هناك بروز لأقطاب كبري اقتصادية على حساب الدول النامية ومنها الدول العربية.
وتابع: "نحن كعرب نأمل ألا تنتقل هذه الأزمة الدبلوماسية إلى الجانب الاقتصادي"، مؤكدا أن العرب سيدفعون فاتورة مخلفات تلك الأزمة حتى لو استفادوا منها على المدي القصير.
تشابك مصالح
وأضاف: "يمكن لبعض الدول العربية وخاصة النفطية أن تجني فاتورة تصاعد تلك الأزمة اقتصاديا، على شاكلة "مصائب قوم عند قوم فوائد"، خاصة في ظل توقعات بعودة أسعار النفط إلى الارتفاع مجددا لمستويات قياسية حال مقاطعة روسيا اقتصاديا وهي أحد أكبر منتجي النفط في العالم".
وأردف: "بإمكان أوروبا أن تتخلى عن روسيا وتبحث عن مصادر طاقة بديلة خاصة من الدول العربية، ولكن من الصعب أن تتخلى روسيا عن أوروبا التي تعد السوق الأكبر بالنسبة لمواردها من الطاقة".
(عربي 21)



