وبهذه السياسة التي تتبعها المصارف من أجل حماية نفسها بدأ التعامل بالدولار في الأسواق المحلية يفقد وهجه، بعدما أصبحت مسألة تحصيل حفنة من الدولارات عملية صعبة، إن لم تكن مستحيلة. وهكذا حلّت الليرة اللبنانية، التي فقدت ما يقارب العشرين في المئة من قيمتها الشرائية محّل الدولار في التعامل اليومي وفي عمليات التداول المحلي، مع الإشارة إلى أن حركة التجارة بين الداخل والخارج تعترضها أزمة جوهرية تكاد تفقد الأسواق المحلية سلعًا أساسية، وأهمها المستلزمات الطبية، لأن التجار يعانون الأمرّين للحصول على "الفرش دولار" لتأمين التحويلات الخارجية في عملية الإستيراد، التي تراجعت في شكل ملحوظ ودراماتيكي، بإعتبار أن عملية تأمين ما يحتاجون إليه من دولارات تتم بواسطة الصيارفة، الذين يبيعون هذه الدولارات بما يتخطى الـ 2000 ليرة، الأمر الذي سينعكس على أسعار السلع صعودًا، بعدما بلغت نسبة إرتفاعها ما يقارب الخمسين في المئة، وهو أمر بات محل قلق المواطنين، الذين خسروا من قيمة رواتبهم بالليرة اللبنانية قياسًا إلى سعر صرف الدولار غير الرسمي ما يوازي العشرين في المئة تضاف إليها الخمسون في المئة من إرتفاع أسعار السلع الإستهلاكية ليصبح مجموع ما خسره اللبناني في هذين الشهرين الأخيرين ما نسبته سبعين في المئة، وهو مؤشر إلى أن الأزمة الداهمة ستوصل الجميع، أو نسبة مرتفعة من اللبنانيين إلى خطّ الفقر المدقع.
وهكذا حلّت "الليرنة" محل "الدولرة" إلاّ ما يتعلق منها بالتجارة الخارجية، وقد تكون هذه العملية مفيدة في مكان ما، خصوصًا إذا تمّت السيطرة على جنون أسعار الدولار الآخذة في الصعود، وهذا أمر قد تكون له حسناته، وفق ما يقوله خبراء الإقتصاد، على المدى الطويل، مع تلازم ذلك بخفض الفوائد وتشجيع حركة الإستثمارات الداخلية، التي من شأنها أن تعيد الحركة الطبيعية إلى دوران العملية الإقتصادية، وفق برامج هادفة للتقليل من الإعتماد على السياسات الريعية لتحل محلها سياسة تشجيع الإنتاج الداخلي بما يؤمن التوازن في حركة الإستهلاك بين ما هو منتج محليًا، أو ما يُعرف بالإكتفاء الذاتي، زراعيًا وصناعيًا، وبين ما هو مستورد من الخارج، إذ لا يُعقل أن يكون لبنان يستورد أكثر مما يصدّر أضعافًا مضاعفة، وهذا قد يكون من بين الأسباب الكثيرة التي أدّت إلى ما أدّى إليه تدهور الوضع الإقتصادي في شكل مخيف.



