بين "حانا التكنوقراط" و"مانا التكنوسياسي" سيضيع البلد أو كاد. بهذه الصورة أختصر سياسي مخضرم ما يجري على الساحة السياسية.
وعليه فإن تأجيل الإستشارات النيابية الملزمة مرتين متتاليتين يؤكد مدى عمق الأزمة التي يعيشها الوسط السياسي في وقت يبدو الشارع المتفلت من كل الضوابط، على رغم ما تقوم به القوى الأمنية من جهود لإبقاء التوتر محصورًا في المكان والزمان، سائرًا نحو ما يخشاه الجميع، خصوصًا أن ثمة من يريد أو يعمل على عودة أجواء الفتنة المذهبية، بعدما تبين أن من بين المتظاهرين عناصر شغب غير منضبطين ويحاولون بشتى الطرق والوسائل حرف مطالب الشارع عن الأهداف المطلبية، التي باتت لسان حال جميع الناس المكتوين بنار التفلت الإقتصادي والمالي.
وعلى رغم خطورة الوضع من النواحي المعيشية وحتى الأمنية فإن ما نشهده من تحركات سياسية لا يشي بأن ثمة معالجات قريبة، والدليل ما يدور في الكواليس السياسية، إذ لا يزال معظم العاملين على خط الأزمة الحكومية يتصرّفون على أساس أن الأمور ماشية ولا شيء يدعو إلى الذعر والقلق، وفي ذلك ما يفرّق بين شارع يغلي ومسؤولين غير مدركين خطورة ما يمكن أن نصل إليه، في ضوء التحذيرات الدولية من أن الوضع اسوأ بكثير مما يتصوره البعض، الذي لا يزال يعيش في الماضي، ويلجأ إلى أساليب عادية وغير إستثنائية لمعالجة السرطان الذي بات يهدّد كامل الجسم اللبناني بما يتناسب مع خطورة هذا المرض، وعدم الإكتفاء بمعالجات التداوي بالأعشاب أو المسكنات، في الوقت الذي يُفترض بجميع المسؤولين، سواء من داخل الحكم أو من خارجه، التفكير بطريقة مغايرة، وذلك قبل تفاقم المرض وقبل الوقوف عاجزين أمام المصير المحتوم.
وعلى رغم سوداوية المشهد فإن ثمة بصيص أمل في كل ما يجري، وهو يتمثّل بما تقوم به القوى الأمنية، التي لن تسمح، وفق ما هو ظاهر، بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وأن ما يُتخذ من إجراءات ميدانية سريعة كفيل بوأد الفتنة، وذلك من خلال عدم التهاون مع أي جهة تحاول أستغلال مطالب الناس المحقة لتحقيق بعض الغايات التي لم تعد خافية على أحد.
من هنا، فإن وعي القوى الأمنية، بما لديها من خبرة في التعامل مع هذا النوع من الممارسات، فضلًا عمّا تمتلكه أجهزة المخابرات من معلومات، يدعو إلى الإطمئنان، على رغم بعض الحالات التي تتعاطى فيها القوى الأمنية مع عدد من الناشطين في الحراك الشعبي، والذين لا يمكن تصنيفهم في خانة "المتآمرين".
وفي مؤشرات ما يحصل من تجاذب سياسي من جهة وبين بعض مظاهر الفلتان في الشارع من جهة أخرى، فإنه من المتوقع أن تكون الساعات المتبقية، التي تفصل اللبنانيين عن الموعد الثالث للإستشارات النيابية، فاصلة في موضوع تحديد خيارت جميع المعنيين تمهيدًا لإتخاذ القرار المناسب لجهة التكليف، وهو مطلب من بين مطالب عدّة للحراك الشعبي، وذلك قبل ولوج مرحلة التأليف، التي لن تكون سهلة على الإطلاق نظرًا إلى تضارب مصالح بعض السياسيين، التي لا تلتقي حتمًا مع خيارات ومطالب الحركة الشعبية، التي ستبقى على أهبة الإستعداد لتسعير نبض الشارع بما يتناسب مع سلمية التحركات وعدم الإفساح في المجال أمام العابثين بشعارات الحراك لتحقيق أهدافهم المشبوهة.



