ما جرى في العراق أخيراً وخلال أقل من أسبوع من احتجاجات شعبية حاشدة شملت العاصمة بغداد وضواحيها والمدن المهمة في الجنوب، بما في ذلك التي لها منها رمزية دينية بالغة الأهمية بل قداسة عند مواطنيه الشيعة كما عند الشيعة في كل العالم، لم يفاجئ العالم المتابع أوضاعه من قرب منذ مدة طويلة. إذ سبق للشعب أو قطاعات منه أن نزلت الى الشارع أو الشوارع في هذه البلاد احتجاجاً على الفساد الذي كلّف الدولة ومواطنيها نحو 453 مليار دولار منذ الغزو الأميركي لها وإطاحته نظامها ورئيسه صدام حسين قبل 13 سنة، وعلى البطالة المتفاقمة وغياب غالبية الخدمات الصحية والاجتماعية والكهرباء والحياة النظيفة، كما على تجاهل حاجة المواطنين الى مساكن سواء في "المناطق المنتصرة" التي صار الحكم في يدها نظرياً على الأقل لأنه عملياً في يد جهة خارجية قريبة معروفة، وفي عدد من الأيدي الأجنبية قد تكون الأميركية أهمها. لكن الذي فاجأ العراقيين أنفسهم كما دول المنطقة بعربها وعجمها وأتراكها فضلاً عن الروس كان استشراس المتظاهرين رغم القمع القاسي والشديد الذي تعرضوا له، والذي أسقط خلال أيام قليلة 140 قتيلاً ونحو ستة آلاف جريح. وكان أيضاً التشدّد الكبير والمفاجئ في الموقف الذي اتخذه حاكم العراق الرسمي رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، باعتباره الحاكم الفعلي مع شركائه سواء من موقع التأييد أو من موقع العداء. فهو أصدر أوامره بوقف الاحتجاجات بل بقمعها وتساهل مع الذين نفّذوا أوامره أو جوهرها الذين سيحاول "الموقف هذا النهار" تحديدهم لاحقاً. لكنه في الوقت نفسه حاول إعطاء انطباع للعراقيين الذين ربما صاروا شعوباً كأشقائهم اللبنانيين أو كانوا كذلك دائماً لكن أحداً لم يكترث لذلك، لأن أنظمة القمع والاستخبارات والعسكر كانت تفرض الأمن وإن بأثمان بشرية وإنسانية باهظة، حاول اعطاءهم انطباعاً أنه مختلف عن أسلافه و"إصلاحي". فقرر بواسطة حكومته رسمياً سلسلة اجراءات يفترض أن تخفّف متاعب العراقيين وتقنعهم بأن الأحوال ستتحسّن. لكن ثقة هؤلاء بحكومتهم وصدقيتها ضعيفة جداً، ليس لأن عبد المهدي رئيسها بل لأن الحكومات السابقة برؤسائها المختلفين لم ينفّذوا وعداً أطلقوه وارتكبوا المعاصي وأهملوا الشعب وتسبب بعضهم في انهيار الدولة والجيش، عفواً وخطأً أو عمداً، وفي تأسيس "داعش" دولة الخلافة الاسلامية. والثقة بالحكومة الحالية وبصدقيتها ضعيفة أيضاً لأن رئيسها عبد المهدي صار في موقعه الأول فعلياً في الدولة العراقية ولم يحاول معالجة كل المصاعب التي يواجهها العراقيون، وفي مقدمها الخدمات المتنوعة. وربما يكون حاول وفشل ولكن ذلك يحمّله مسؤولية مضاعفة، إذ كان عليه في هذه الحال وانسجاماً مع تاريخه "الجيّد" وسمعته الحسنة عدم السكوت والاهتمام بالناس، أولاً لأنهم هم أساس الاستقرار لا الأحزاب و"النسخ" الكثيرة من الراحل صدام حسين داخلها وداخل المؤسسات العسكرية، والشعوب. وهؤلاء يرون يومياً تصرفاتها وعنترياتها وفسادها واستهلاكها للسلطة وحبّها لها.
والأمر الذي سيفاجئ العراقيين أكثر، علماً أنهم يعرفونه أو على الأقل بعضهم، هو أن التظاهرات الشعبية الحاشدة لم تتوقف لاقتناع المشاركين فيها بوعود الحكومة وقراراتها وبسرعة تنفيذها، ولا لخوفهم من التضحية بحياتهم على أيدي من قتلوا منهم المرة الأخيرة 140 مواطناً يائساً وجرحوا ستة آلاف مثله. بل توقّفت إكراماً بل احتراماً لأربعين الحسين عليه السلام التي يشارك فيها ملايين من الشيعة العراقيين والإيرانيين والعرب وغير العرب، وبعد ذلك بناء لطلب أو تمني المرجعية الدينية الأولى في النجف ثم الحكومة. ويعني ذلك أن الاحتجاجات الشعبية الحاشدة ستتجدد بعد الذكرى المشار اليها أعلاه، وربما تكون أكثر تشدداً وشجاعة وانتحارية من سابقاتها الأخيرة، وأكثر قمعاً وعنفاً من جهة الذين سيتولون قمعها، سواء كانوا من الأمن المتنوّع للحكم أو من خارجه رغم الروابط الموجودة بين هذين النوعين من القامعين.
من الجهة التي قمعت الاحتجاجات الأخيرة؟
الاوامر معروف معطيها كما سلف أعلاه. لكن غير المعروف بدقة هو أن الجيش لم يكن القامع وأن الشرطة والقوى الأمنية لم تكن قامعة كذلك. القامعون كانوا، وعلى ذمة عراقيين يعرفون بدقة كل أو غالبية ما يجري في العراق على الأقل منذ سقوط صدام حسين ونظامه، وتابعوا ولا يزالون يتابعون أوضاعه وتطوراتها بتفاصيلها المملة أحياناً، كانوا من "الحشد الشعبي" المعروف بموالاته المطلقة لإيران باعتباره "الحرس الثوري" للعراق الجديد الذي استخدمت أميركا وتدخلها العسكري فيه من أجل إقامته. وهي لن تتخلى عنه أبداً طوعاً على الأقل. و"الحشد" هذا أُتبع أيام حكومة العبادي السابقة بالدولة وتكرّس ذلك مع الحكومة الحالية. فهل أوامر القمع الذي مارسه تلقاها من رئيس الأخيرة عبد المهدي أو من جهات أخرى؟ لكن ما لا يزال مجهولاً هو من المحرّض على القمع وبالطريقة غير الإنسانية تلك؟ هل هي جهة دولية؟ وقد وجه من يوالون الجمهورية الاسلامية الايرانية، من سياسيين وأحزاب وإعلاميين على تنوّع وسائلهم إصبع الاتهام الى الولايات المتحدة عدوّتها منذ تأسيسها عام 1979 – 1980، ومنذ مساعدتها صدام حسين في حربه عليها، كما منذ تجنبه الخسارة الشاملة فيها. ووجه بعض هؤلاء إصبع الاتهام الى المملكة العربية السعودية، وبعضهم الآخر الى تركيا رغم انشغالها بأكرادها المعادين لها والمتمركزين في سوريا. لكن كثيرين من العراقيين وجهوا الاتهام الى جهات محلية متنوّعة. وبدا باستثناء المرجع الأعلى في النجف تجاهل غالبية المتهمين أذى الناس في التظاهرات وخارجها.
سركيس نعوم - النهار



