منذ اجتماع بعبدا المالي والاقتصادي في مطلع أيلول الماضي والذي خصص لتأمين المظلة السياسية للقرارات الصعبة المطلوب اعتمادها لتلافي الانهيار، أكثر من ثلاثين يوماً انقضت، لم يشعر خلالها اللبنانيون أن ذلك الاجتماع وضع البلاد على سكة الإنقاذ، بل على العكس، شكلت التطورات والمحطات المسجلة والمتسارعة مصدر قلق جدي حيال الانزلاق الخطير الحاصل، الذي بدا وكأنه يسرّع الانهيار، ولا يساعد على تجاوزه.
لم يأت اجتماع بعبدا على البارد، بل كان نتاج تصنيفين دوليين صدرا في 23 أيلول الماضي عن وكالتي "ستاندرد أند بورز" و"فيتش"، وضعا لبنان على عتبة "الخردة"، تحت ضغط مهلة لا تتجاوز الأشهر الستة لإرساء المعالجات والإصلاحات المطلوبة، في ظل التحذير من تراجع احتياطات المصرف المركزي ومخزونه الذي لن يكفي إلا لـ12 شهراً، كما استتبعت "ستاندرد أند بورز" تقريرها التصنيفي.
قبل يومين، وبعدما كانت "موديز" سبّاقة في خفض التصنيف إلى "Caaa1"، وضعت الوكالة تصنيفها قيد المراجعة، مع إمكانية خفضه خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، موضحة أن ذلك يأتي "في ظل عدم إحراز تقدم في تأمين مساعدات مالية خارجية بما فيها أموال CEDRE، بالإضافة إلى اعتماد الحكومة بشكل كبير على احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لتلبية المستحقات المقبلة للسندات بالعملات الأجنبية، وهو ما يهدد قدرة المصرف المركزي في الحفاط على ارتباط الليرة بالدولار، علماً أن لدى لبنان سندات أورو بوند تستحق في تشرين الثاني المقبل بقيمة 1.5 مليار دولار، وتستعدّ وزارة المال والمصرف المركزي لطرح إصدار استبدال في الأسواق لم تتضح شروطه وآلياته بعد.
صحيح أن الحكومة باشرت درس مشروع موازنة 2020، وصحيح أن اللجنة الوزارية المكلفة درس الإصلاحات المالية والاقتصادية تعكف برئاسة رئيس الحكومة على التوصل إلى توافق حيال الإجراءات المالية والضريبية المطلوب إدراجها في الموازنة، إلا أن التقدم على المسارين لا يزال على مسار السلحفاة، ولم يوجه بالتالي الإشارات الفورية المساعِدة على استعادة ثقة الأسواق. على العكس، تفاقمت في الأسابيع القليلة الماضية أزمة السيولة، بعد الإجراءات المقيدة التي اعتمدها المصرف المركزي لسحب الدولار من السوق، بالتزامن مع إجراءات تقشفية مماثلة عمدت إليها المصارف أثارت موجة من الخوف في أوساط المتعاملين. وبقطع النظر عن كل التفسيرات والتحليلات حول الأسباب والأهداف، وهي باتت في التداول، فإن المواقف الرسمية لم تساعد على تخفيف حدتها وطمأنة الناس إلى عملتهم وودائعهم، بما يقلّص من تهافتهم على شبابيك المصارف، ويحدّ من تفاقم الأزمة واستنزاف الثقة بالعملة وبالقطاع المصرفي. في حين يسعى الحاكم رياض سلامة المتروك وحيداً على رأس الحاكمية من دون مجلس مركزي يساعده ويغطي قراراته وتعاميمه، إلى القيام بمهمة طمأنة المتعاملين، من خلال القرارات التي يلجأ إليها، رغم كلفتها الباهظة، على غرار التعميم الأخير الذي عزز قيام "دولار اجتماعي" في موازاة الدولار المفقود من المصارف والمتوافر في السوق الموازية محرراً من قيود السعر الرسمي، وخاضعاً لمعادلة العرض والطلب، حيث الطلب يفوق بأضعاف وأضعاف العرض.
أمام هذه الصورة، لا يسع سلامة إلا أن يتشبث بتفاؤله. وهو جدد أمام "النهار" أمله أن تتمكن الحكومة من إقرار موازنة لسنة 2020 تعطي إشارة إيجابية للأسواق، من حيث خفض العجز، مؤكداً "استعداد المصرف المركزي لتسديد استحقاقات الدولة بالدولار، لأسباب نقدية ولحماية صدقية لبنان وقدرته على تمويل اقتصاده".
سابين عويس - النهار



