على رغم "الفرصة الضائعة" في نيويورك، لا يزال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي بذل جهوداً كبيرة لجمع نظيريه الاميركي دونالد ترامب والايراني حسن روحاني، مقتنعاً بأن جهوده لم تذهب سدى، وأنه أرسى أسس حوار بين الجانبين يمكن أن يحدث اختراقاً في الأزمة بين البلدين ويمنع تطورها إلى حرب. واكتسب اقتناعه زخماً مع تصريح روحاني أمس بإنه يمكن قبول المبادرة الفرنسية.
الواضح أن ماكرون يستند في تفاؤله الى الخلاصة التي حملها من ديبلوماسيته المكوكية في نيويورك والتي كادت تتوج باتصال هاتفي بين الرئيسين الاميركي والايراني يعول عليه للحدّ من التصعيد في الخليج ومحاولة إطلاق محادثات على نسق مجموعة 5+1 مع طهران لانهاء الأزمة المتفاقمة منذ انسحاب واشنطن من خطة العمل الشاملة المشتركة.
وتوحي الرواية الفرنسية لملابسات اتصال لم يحصل أن كل الأجواء كانت مؤاتية لتواصل مباشر بعد 48 ساعة بذل خلالها ماكرون كل جهد ممكن لتحضير الأجواء. وقبل ساعات من مغادرته نيويورك عائداً إلى باريس، قرر أن يوجه ضربته القوية. فبعد انهائه مؤتمره الصحافي وتناوله العشاء في مطعم بيتزا قبالة مقر البعثة الفرنسية، ادعى أنه ذاهب في نزهة في شوارع نيويورك، وتوجه عوض ذلك مع مستشاره الديبلوماسي إيمانويل بون إلى فندق "ميللينيوم"، على مسافة مئة متر، حيث كانت البعثة الإيرانية.
وأبلغت مصادر فرنسية صحيفتي "الفيغارو" و"الموند" أن الرئيس الفرنسي كان طلب قبل ذلك من فنيين تركيب خط هاتفي مؤمن بين فندقي "ميللينيوم" و"لوت" حيث كانت تنزل البعثة الأميركية. وقد تمّ ذلك بعد موافقة الجانبين الاميركي والايراني.
وكان مفترضاً أن يتصل ترامب بروحاني الساعة التاسعة عبر هذا الخط. ونسبت مجلة "نيويوركر" وصحيفة "النيويورك تايمس" إلى مصادر إيرانية أن الرئيس الفرنسي انتظر عبثاً خروج نظيره الايراني من غرفته للرد على الاتصال.
وأوضحت مصادر ديبلوماسية رفيعة المستوى لـ"الموند" أن "الأمور تحركت في الخلفية، والظروف كانت مناسبة لمثل هذا الحوار الهاتفي المباشر، وكان الأمر يستحق الذهاب إلى النهاية بتلك المبادرة. ولكن في النهاية، لم يتلق الرئيس الروحاني الضوء الأخضر من طهران". وكان ماكرون هو الذي رد على ترامب، وأعلمه بأن هذا الاتصال المباشر لن يحصل.
وقبل تلك المحاولة، مارس ماكرون ديبلوماسية مكوكية بين ترامب وروحاني طوال يومين. فهو التقى الرئيس الأميركي ثلاث مرات والإيراني مرتين. ودام اللقاء الأول وروحاني في 22 أيلول ساعتين وسادته "أجواء ودية". وقد عاد بعد ظهر اليوم التالي إلى فندق "ميللينيوم" يرافقه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وفي حينه، بدا واضحاً لماكرون أن لقاء ثنائياً مباشراً لترامب وروحاني غير ممكن، حتى في إطار أوسع مع ممثلي الدول الموقعة لخطة العمل الشاملة المشتركة، وهي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إلى المانيا.
عندها لم تبق للرئيس الفرنسي إلا ورقة واحدة هي ترتيب اتصال هاتفي مباشر بين المسؤولين.
وأكد مصدر ديبلوماسي فرنسي لصحيفة "الفيغارو" أن "الفنيين الأميركيين ما كانوا ليستطيعوا مد الخط الهاتفي الخاص في الطبقة التي ينزل فيها المسؤولون الإيرانيون من دون موافقة هؤلاء". وأضاف أن "القول إن الرئيس انتظر في الرواق، كما ادعت الصحف الأميركية، لا صحة له. فبعد الموافقة على مبدأ الاتصال الهاتفي، كان يفترض أن يشارك ماكرون فيه من أجل تسهيله.
وقال إن "الرئيس الفرنسي ذهب إلى صالون استقبال في الفندق حيث كان الإيرانيون ينتظرونه. لا نذهب إلى رئيس دولة من دون موافقته. لم ينتظر طويلاً ولم ير الرئيس روحاني الذي لم يرد على الاتصال. عندها استخدم الخط المؤمن للاتصال بترامب من أجل ابلاغه قرار روحاني".
وأشار هذا المصدر الى أن "الاتصال المباشر بين ايران والولايات المتحدة يتيح اطلاق مفاوضات تتواصل لاحقاً في سياق مماثل لمجموعة الست".
لم يستطع روحاني المجازفة بالاستجابة أكثر لماكرون ومخالفة موقف طهران المعلن بعدم التفاوض قبل الحصول على تنازلات أميركية.
ومع أن البعض اعتبر ما حصل اخفاقاً للديبلوماسية الفرنسية التي أظهرت جهلاً بسبل عمل النظام الايراني، تعتقد باريس أنها وضعت في نيويورك أسساً لحوار بين واشنطن وطهران.
واقترح ماكرون عودة إيران إلى التزاماتها في اطار خطة العمل الشاملة المشتركة والتي ستستمر الى ما بعد 2025، إضافة إلى مخرج من أزمة اليمن وخطة للأمن الإقليمي تشمل البرنامج الباليستي الإيراني وأمن الممرات المائية ورفع العقوبات الاقتصادية، وتحديداً العقوبات على تصدير النفط والتي فرضها البيت الأبيض منذ أيار.
والأهم بالنسبة إلى باريس أن إيران لم تقل لا، وإنما إنها في حاجة إلى وقت.
وفي كلمته أمس، أكد روحاني أنه يمكن قبول المبادرة الفرنسية، وأن مجمل هذه المبادرة يركز على عدم امتلاك تمتلك ايران السلاح النووي، موضحاً أن "هذا ما قلناه دائماً، وقلنا أيضا ًان ايران تدعم السلام في المنطقة وممراتها المائية وقدمنا المساعدة في هذا المجال ، وعلى أميركا ان تلغي كل أنواع الحظر وان يبدأ تصدير النفط الإيراني فوراً وتسلم عائداته الى طهران".
موناليزا فريحة - النهار



