اتسعت دائرة الاحتجاجات المناهضة للحكومة العراقية، الأربعاء، لتشمل إلى جانب العاصمة بغداد، عدداً من المحافظات. وقتل خمسة متظاهرين خلال الساعات الـ24 الماضية، ولجأت القوات الأمنية مجدداً لإطلاق الرصاص الحي في الهواء لتفريق المحتجين، وسط دعوات إلى ضبط النفس.
صحيفة "البيّنة الجديدة" العراقية، قالت إن هذا الحراك لم يشهد "لأول مرة.. لا رايات ولا صورا ولا شعارات حزبية". وتعتبر هذه التظاهرات غير مسبوقة، إذا إنها لم تنطلق بدعوة من حزب أو زعيم ديني كما تجري العادة في بغداد، بل جمعت الغاضبين المحتجين على غياب الخدمات العامة والبطالة.
وردد المتظاهرون شعار "باقونا (سرقونا) الحرامية"، في إشارة إلى الطبقة الحاكمة في البلد الذي يحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية، وبحسب تقارير رسمية، فمنذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، اختفى نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق.
ويبدو أن الحكومة التي تم تشكيلها قبل عام تقريباً، قد اتخذت خيار الحزم في مواجهة أول امتحان شعبي لها، رغم أن ذلك لم يثن المحتجين الذين واصلوا تدفقهم مساء إلى نقاط التجمع المركزية، بحسب "فرانس برس".
وأفاد التلفزيون الرسمي العراقي أن وزير الدفاع نجاح الشمري، أمر بوضع كافة الوحدات العسكرية في حالة تأهب، على خلفية موجة الاحتجاجات التي تجتاح البلاد.
وأعلنت وزارة الدفاع العراقية رفع حالة التأهب القصوى في البلاد للحفاظ على سيادة الدولة والمنشآت الحكومة والأهداف الحيوية. وذكرت مصادر حقوقية عراقية أن أربعة قتلى سقطوا، الأربعاء، في مدينة الناصرية بمحافظة ذي قار بينهم شرطي وثلاثة متظاهرين.
بغداد
أغلقت قوات الأمن كافة منافذ المنطقة الخضراء وسط العاصمة بغداد، في ظل انتشار قوات الرد السريع في الشوارع القريبة من ساحة التحرير.
وأطلقت قوات الأمن العراقية، الرصاص الحي في الهواء، الأربعاء، لتفريق المظاهرات الشعبية التي تجددت. وذكرت مصادر في الشرطة أن ثمانية محتجين على الأقل أصيبوا في حي الزعفرانية جنوب شرقي بغداد، عندما أطلقت قوات الشرطة والجيش، النار وعبوات الغاز المسيل للدموع لتفريق عشرات المحتجين، بحسب "الجزيرة".
وأضرم محتجون في النار في الإطارات على الطريق السريع الرئيسي بين بغداد والمحافظات الشمالية، ما تسبب بشل حركة المرور، وامتدت الاحتجاجات إلى العديد من مناطق العاصمة. في حين قطع محتجون في مدينة الصدر شرقي بغداد، الطرق بإحراق إطارات السيارات.
الاحتجاجات تجددت في بغداد، رغم الاستنفار الأمني الكثيف للقوات الأمنية، وقطع جزئي لخدمة الإنترنت وإغلاق بعض الطرق العامة. وأكد شهود عيان، لـ"الأناضول"، استخدام قوات مكافحة الشغب للرصاص الحي، في حين رشق متظاهرون غاضبون سيارات مكافحة الشغب بالحجارة.
وذكرت وسائل إعلام محلية، أن متظاهرين حاولوا إغلاق الطريق المؤدي إلى مطار بغداد الدولي، فيما قام آخرون بإغلاق الطريق الرابط بين بغداد ومحافظات شرق وشمال العراق.
وحاول المحتجون العودة إلى ساحة التحرير وسط بغداد إلا أن القوات الأمنية منعتهم من ذلك، كما منعوا من التظاهر في ساحتي الفردوس والطيران.
وقال مصدر أمني إن قوات الأمن أغلقت طرقاً في بغداد، الأربعاء، منها جسر يؤدي إلى المنطقة الخضراء الحصينة التي تضم مباني حكومية وسفارات أجنبية في إطار تشديد إجراءات الأمن، بحسب "رويترز". وقال مسؤول أمني: "الأوامر التي استلمناها من قادتنا واضحة وقاطعة. يجب عدم السماح للمتظاهرين بالاقتراب من المنطقة الخضراء".
ووفقاً لمصادر طبية، نقل أكثر من ستين شخصاً إلى مستشفيات بغداد، مشيرة إلى أن تسعة منهم أصيبوا بالرصاص الحي، وآخرون كانوا يعانون الاختناق نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع أو أصيبوا خلال عمليات التدافع.
المحافظات
وخرج أهالي محافظة كربلاء جنوبي بغداد بمظاهرة أمام مبنى المحافظة احتجاجاً على اجراءات الحكومة بقمع المتظاهرين الثلاثاء.
وأضرم المئات من المتظاهرين النيران في البوابة الخارجية لمبنى مجلس محافظة الديوانية جنوبي البلاد، في محاولة لاقتحامه.
وفي محافظة واسط شرقي البلاد، قامت قوات الشرطة ومكافحة الشغب بتفريق عشرات المحتجين الذين حاولوا اقتحام مبنى مجلس المحافظة. وفي محافظة المثنى جنوبي العراق، أشعل المحتجون النار في الإطارات. وفي محافظة بابل، ردت قوات الأمن على متظاهرين رشقوها بالحجارة، باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريقهم، بعدما تجمع العشرات أمام مبنى مجلس المحافظة، محاولين اقتحامه.
وحاول متظاهرو محافظة ذي قار اقتحام مبنى الحكومة المحلية، وقابلت القوات العراقية ذلك بإطلاق الرصاص الحي ما أدى إلى مقتل أحد المتظاهرين وإصابة 20 آخرين بحسب ما أفادت به وسائل إعلام محلية.
وامتدت الاحتجاجات إلى محافظات النجف وكربلاء والبصرة، وشهدت صدامات بين القوات الأمنية والمتظاهرين.
تظاهرات الثلاثاء
وكان آلاف العراقيين قد تظاهروا الثلاثاء، في ساحة التحرير وسط بغداد ومدن عراقية أخرى مطالبين بتوفير الخدمات، وتحسين الواقع المعيشي، وتوفير الوظائف للعاطلين، والقضاء على ظاهرتي البطالة والفساد المالي والإداري في دوائر الدولة ومؤسساتها.
وواجهت الأجهزة الأمنية المتظاهرين بالرصاص الحي وخراطيم المياه الساخن وقنابل الغاز المدمع لتفريق المحتجين، ما أدى إلى مقتل عدد من المحتجين وإصابة مئات آخرين.
وصباح الأربعاء، كشف مصدر طبي لـ"الأناضول" أن حصيلة مظاهرات بغداد وحدها بلغت 4 قتلى وأكثر من 700 إصابة بحالات اختناق وجروح، بينها حالات خطرة.
من جانبها، أعلنت المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية أن حصيلة ضحايا الاحتجاجات في جميع المحافظات بلغت قتيلين و265 مصابا، لكن الحكومة تتحدث عن قتيل واحد وإصابة 200 آخرين، بينهم 40 من القوات الأمنية.
المواقف الرسمية
وكان الرئيس العراقي برهم صالح، قد دعا مساء الثلاثاء، لتلبية مطالب المتظاهرين بالإصلاح وتوفير فرص العمل، وقال إن "واجبنا تلبية هذه الاستحقاقات المشروعة".
وأكد صالح في "تويتر" أن "التظاهر السلمي حق مكفول، وأن القوات العراقية مكلفة بحماية حقوق المواطنين"، مشدداً على "الحفاظ على الأمن العام وضبط النفس واحترام القانون".
من جانبه، قال رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، إنه "بدأ بإجراء تحقيق مهني من أجل الوقوف على الأسباب التي أدت لوقوع الحوادث خلال المظاهرات".
وأضاف عبدالمهدي أن حكومته لا تفرق بين المتظاهرين الذين يمارسون حقهم الدستوري في التظاهر السلمي وبين القوات الأمنية التي تؤدي واجبها في حفظ أمن المتظاهرين وأمن الوطن، ودعا إلى "التهدئة وتفويت الفرصة على المتربصين".
وحذر من وصفهم بـ"المعتدين غير السلميين الذين رفعوا شعارات يعاقب عليها القانون تهدد النظام العام والسلم الأهلي وتسببوا عمدا بسقوط ضحايا من المتظاهرين الأبرياء ومن قواتنا الأمنية".
من جهتها، وجهت رئاسة مجلس النواب، الأربعاء، بفتح تحقيق في الأحداث التي رافقت المظاهرات، وقالت الرئاسة في بيان إنها دعت لجنتي الأمن والدفاع وحقوق الإنسان النيابيتين لفتح تحقيق في الأحداث التي رافقت مظاهرات الثلاثاء في ساحة التحرير.
وأكدت رئاسة مجلس النواب حرية التظاهر السلمي التي كفلها الدستور بحسب المادة 38، ودعت القوات الأمنية إلى حفظ النظام العام مع ضبط النفس وعدم استخدام القوة المفرطة مع المتظاهرين.
بدوره، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الرئاسات الثلاث في العراق إلى فتح تحقيق عادل في مقتل متظاهرين وإصابة مئات خلال المظاهرات التي شهدتها بغداد. وكان الصدر انتقد في بيان مقتضب الإجراءات الأمنية ضد المتظاهرين، مشددا على أن هيبة الدولة لا تكون على حساب الشعب والفقراء.
مواقف دولية
من جانبها، أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس-بلاسخارت، الأربعاء، عن قلقها بشأن العنف ودعت إلى الهدوء، وأكدت في بيان على الحق في الاحتجاج.
وأضاف البيان "تحثُّ السيدة هينيس-بلاسخارت السلطات على توخي ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات لضمان سلامة المتظاهرين السلميّين مع الحفاظ على القانون والنظام وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة".
ونددت الولايات المتحدة، الأربعاء، باستخدام العنف. وقالت السفارة الأميركية ببغداد، في بيان، إنها تأسف لـ"استخدام العنف، وتحث على تخفيف حدة التوتر"، و"تواصل مراقبة الاحتجاجات عن كثب".
وأضافت أن "التظاهر السلمي هو حقٌ أساسي في جميع الأنظمة الديموقراطية، ولكن لا مجال للعنف في التظاهرات من جانب أي طرف". وتابعت: "نشعر بالأسى على الأرواح التي زُهقت، ونقدم تعازينا لذوي الضحايا، مُتمنين الشفاء العاجل لجرحى القوات الأمنية والمحتجين". ودعت السفارة "الأطراف كافة إلى نبذ العنف، مع ضبط النفس في الوقت ذاته".
من جهته، قال السفير البريطاني في بغداد جون ويلكس، إن "المظاهرات الحالية في العراق تستحق الاحترام، تجسيدًا لحق التظاهر السلمي، ويتطلب ذلك إبداء ضبط النفس من جانب القوات الأمنية العراقية".
وأردف ويلكس، في "تويتر": "من المهم تلبية المطالب المشروعة للمتظاهرين في الإصلاح، وتوفير المزيد من فرص العمل، وتحسين الخدمات، ومحاربة الفساد".
المصدر: المدن



