ينام الناس منذ مدّة على خبر سيّئ ويستيقظون على خبر أسوأ، وهم ينتظرون بفارغ الصبر ساعة النهوض بلبنان في شتّى المجالات، أو ساعة سقوطه إذا كان وراء أزمة الدولار صراع نفوذ خارجي بالتنسيق مع داخل تحقيقاً لأهداف قد يكون منها دفع ثمن تحالف السلطة مع "حزب الله" على رغم اشتداد المواجهة بين أميركا وإيران، أو ثمن توطين الفلسطينيّين وربّما جزء من النازحين السوريّين. لذلك يمكن القول إنّ هذا الأسبوع هو "أسبوع الدولار"، فإمّا تتّخذ الإجراءات التي تجعله "يحطّ" ويهدأ، وإمّا أن "ينطّ" و"تنطّ" معه الشوارع في كل لبنان ولا تهدأ إلّا بعد أن تجرف كل الفاسدين وتأتي بالأنقياء الأتقياء إذا وُجدوا...
إنّ الناس يتذكّرون مع أزمة الدولار تلك التي حصلت عام 1992 عندما جُنَّ سعر الدولار جنونه وجعل الناس يجنّون معه وينزلون إلى الشارع ولا يخرجون منه إلّا بعد استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي والمجيء بالرئيس الشهيد رفيق الحريري. وإذا كانت أزمة الدولار سنة 1992 ذهبت بحكومة وجاءت بأخرى، فبمن ستذهب أزمة الدولار اليوم وبمن ستأتي؟
ترى أوساط سياسيّة مراقبة أن أزمة الدولار إذا كانت من صنع الداخل، فإنّ في الإمكان معالجتها. أمّا إذا كانت من صنع الخارج وبالتنسيق مع داخل فقد يصعب إيجاد علاج لها إلّا إذا تغيّرت الطبقة الحاكمة، والمجيء بطبقة قادرة على التغيير الصحيح والإصلاح الحقيقي.
لقد شهد لبنان في الماضي أزمات كانت من صنع خارج وبالتنسيق مع داخل، ولم يتمّ التوصّل إلى حل لها إلّا بعد تغيير الطبقة الحاكمة. فحوادث 1958 ما كانت لتتفاقم لو لم يكن وراءها خارج يخوض صراع نفوذ وكان يومها بين أميركا وبريطانيا، وقد اتخذ من نيّة الرئيس كميل شمعون في تجديد ولايته ذريعة لهذا الصراع، فاشترط خصومه أن يُعلن في وسائل الإعلام رفضه التجديد لتتوقّف الأحداث، فرفض بحجّة أنّه لم يعلن أنّه ينوي التجديد كي ينفي ذلك، فتولّى عنه إعلان رفض التجديد رئيس الحكومة آنذاك الرئيس سامي الصلح، ولم ينفع حتّى وجود الدكتور شارل مالك وزيراً للخارجيّة في تلك الحكومة في تجنيب لبنان صراع النفوذ بين أميركا وبريطانيا، ولم تنتهِ تلك الأزمة إلّا بانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهوريّة.
ثم إن حرب الـ 75 ما كانت لتقع لو لم تكن من تدبير خارج، وكان هدفه
أنّه في حال انتصار الفصائل الفلسطينية في تلك الحروب يصبح لبنان هو الوطن البديل، وفي حال فشلها تنتهي المطالبة بالعودة إلى فلسطين أو
يتمّ تقسيم لبنان. ولم تنتهِ تلك الحرب إلّا بعد الموافقة على اتفاق الطائف الذي أخضع لبنان لوصاية سورية دامت 30 عاماً خلافاً لمضمون ذاك الاتفاق.
والسؤال المطروح الآن هو: هل أزمة الدولار هي من صنع الداخل فتسهل عندئذ معالجتها، أم هي من صنع خارج وبالتنسيق مع داخل فلا يكون حل لها إلّا بتغيير الطبقة الحاكمة لأنّها مسؤولة عن نشوء هذه الأزمة، فتأتي طبقة تكون قادرة على إقامة الدولة القويّة التي تستطيع بسط سلطتها وسيادتها على كل أراضيها، ولا يكون سلاح غير سلاحها، وهي الدولة التي تستحقّ أن تُدفع لها المساعدات لتنهض بالبلاد في شتّى المجالات، وتنفّذ المشاريع بشفافيّة... دولة يكون لها وحدها قرار الحرب والسلم، وتلتزم فعلاً لا قولاً سياسة النأي بالنفس عن صراعات المحاور حرصاً على وحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسّسات.
هل في الإمكان إحداث تغيير في لبنان ينقله إلى حكم صالح ونظيف وعادل، ولا يظلّ ينتقل من حكم سيّئ إلى حكم أسوأ؟
اميل خوري - النهار



