لا عقد دفاعياً مشتركاً بين أميركا والسعودية، ولا تحالف على غرار الشركة الاطلسية بين الولايات المتحدة ودول أوروبية. غير أن دفاع الولايات المتحدة عن حلفائها الخليجيين بات ركناً بديهياً في المقاربة الأميركية للمنطقة منذ حرب الخليج على الأقل. فمذذاك، أنشأت سلسلة من القواعد العسكرية من العراق والبحرين إلى قطر وعمان، وتولى الأسطول الخامس حراسة المياه في الخليج.
وقبل ذلك بكثير، في ثلاثينات القرن الماضي عندما وقّعت أميركا أول عقد حصلت بموجبه على امتيازات النفط مع مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة الملك عبدالعزيز آل سعود، صارت الدولة الضامنة في الشرق الأوسط، وسهرت على استقرار أسواق النفط وتدفق الذهب الأسود بحرية إلى كل أنحاء العالم.
على هذه الخلفية، اعتبر اعتداء بحجم الهجوم على المنشأتين النفطيتين التابعتين لشركة "أرامكو" السعودية العملاقة التي تعد "جوهرة" تاج المملكة، والذي أدى إلى تعطيل خمس الإنتاج العالمي من النفط، من نوع الاعتداءات التي تقتضي رداً أميركياً قوياً. هذا عدا تعهد ترامب مراراً مساعدة حلفاء بلاده في الشرق الأوسط، على رغم استقلال أميركا في مجال الطاقة.
وقد، أثار الرد الأميركي المتردد خيبة، خصوصاً بين المتحمسين للجم إيران الذين عزوا تجرؤها المتزايد، إلى تقاعس الرئيس ترامب عن أي رد على استهداف ناقلات النفط في أيار وحزيران الماضيين، أو على إسقاط طائرة أميركية مسيرة في حزيران. ولم ترضهم زيادة العقوبات التي تعتبر أصلاً سبب الهجوم الأخير، ولم ينفع اعلان وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" عن ارسال تعزيرات الى المنطقة "بناء على طلب السعودية والامارات" في تبديد تكهنات، لا تخلو من أهداف مشبوهة أحياناً، عن تخلي ترامب عن حلفائه، وتغييره مساراً طويلاً لالتزامات واشنطن في المنطقة.
ليست دول الخليج واهمة حيال سياسات ترامب وهي اختبرت مراراً عدم استعداده للذهاب الى حرب ضد إيران، على رغم تأييدها انسحابه من الاتفاق النووي ومطالبته باتفاق جديد يشمل كبح جماح النفوذ الايراني في المنطقة ويضع قيوداً على ترسانتها النووية.
ومع أن الهجوم على "أرامكو" هو الأخطر على الإطلاق في المواجهة الأخيرة، فإن دول الخليج كما الإدارة الاميركية، تقدّر أن خيارات الرد كلها خطرة. فإذا ردت عسكرياً فهي تجازف باطلاق حرب شاملة ينخرط فيها كل وكلاء طهران من اليمن إلى لبنان.
وإذا تراجعت، تعطي ضوءاً أخضر جديداً لطهران لشن مزيد من الهجمات على دول الخليج على الأرجح، في ظل تجنبها مواجهة مباشرة مع أميركا.
وأمام هذه المعادلة المعقدة، تواجه أميركا أكبر تحد لها في المنطقة منذ حرب الخليج. فإما أن تعيد الردع مع إيران واما أن يصير التشكيك في قيمة التزامها الأمني وقواتها في المنطقة مشروعاً.
موناليزا فريحة - النهار



