يحرص الديبلوماسيون الاميركيون في زياراتهم الى لبنان على استهلال جولاتهم من مقر رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة في توجه يحمل رسائل متعددة تتصل في شكل اساسي برغبة الاميركيين في التواصل مع الطائفة الشيعية كما في تواصلهم مع سائر الطوائف الاخرى خصوصا ان الرئيس بري هو صلة الوصل الرئيسية وهي نقطة قوة له في هذا الاطار وفي الوقت نفسه يستفيد منها بدوره في توجيه الرسائل اللازمة الى الاميركيين لادراكه انه بوابتهم الى الطائفة الشيعية بالاصالة وبالنيابة عما يمثله "حزب الله" ايضا. هذا الامر اكثر ما برز بهذا الوضوح في ملف ترسيم الحدود الذي يعتبر الاميركيون الرئيس بري المحاور الرئيسي لهم في هذا الاطار. ومن ضمن الرسالة نفسها ان الاميركيين لا يكنون العداء او انهم يعمدون الى شمول ابناء الطائفة الشيعية بالعقوبات التي تشمل " حزب الله" على صعوبة التمييز في هذا الاطار قياسا الى وجود عدد كبير من ابناء الطائفة في خانة دعم الحزب سياسيا ومعنويا وماليا احيانا كثيرة ايضا. الا ان الرسالة الاهم في زيارة مساعد وزير الخزانة الاميركية لشؤون مكافحة الارهاب مارشال بيلينغسلي الى بيروت في اليومين الماضيين والتي لم تحمل جديدا بالنسبة الى الموقف من " حزب الله" وفقا لبيان لبيلينغسلي في 30 من شهر آب المنصرم شرح فيه اسباب اتخاذ اجراءات عقابية في حق "جمال تراست بنك" واغلاقه من ضمن الاجراءات العقابية على داعمي الحزب او مسهلي اعماله المالية، هو اظهار الحرص الاميركي على عدم تهديد الولايات المتحدة القطاع المصرفي او بعض المصارف الاخرى بسيف العقوبات كما حصل بالنسبة الى "جمال تراست بنك". فالشائعات السياسية والاعلامية التي تبني على توجه اميركي نحو المزيد من استهداف المصارف كثيرة ومتعددة ويتم توظيفها في الداخل اللبناني على رغم وجود معلومات اكيدة لدى مسؤولين لبنانيين كثر بان هذا التوجه ليس موجودا لدى الولايات المتحدة راهنا خصوصا ان هناك سنوات عدة مرت بين العقوبات في شأن البنك اللبناني الكندي ثم العقوبات على "جمال تراست بنك". ولا يملك المسؤولون اللبنانيون ايا بلغت المعلومات المؤكدة التي في حوزتهم في هذا الاطار الذهاب الى نفي وجود توجه اميركي في هذا الاطار بحيث لا يملك القيام بذلك سوى الاميركيين انفسهم وليس من يتحدث عنهم او ينقل مواقف عنهم. وقد كان لجمعية المصارف اخيرا مواقف اكثر من مرة تنفي وجود توجه اميركي بعد العقوبات على "جمال تراست بنك" نحو استهداف للمصارف لكنها لم تساهم في طمأنة المخاوف في هذا الاطار ولا استطاعت ايضا منع التوظيف السياسي الذي يستخدمه البعض على هذا الصعيد. ومن شأن تنامي المخاوف وتعاظمها على هذا المستوى في ظل التضييق الحاصل على التعامل بالدولار الاميركي ان يؤدي الى ازمة تكبر ككرة ثلج وربما تؤدي الى ما يخشى منه كثر بالنسبة الى حصول انهيار مالي لا يرغب في حصوله احد على الاقل من العواصم المؤثرة الداعمة للبنان نظرا الى مجموعة من الاعتبارات. وهو امر يجعل كثر بمن فيهم بعض السياسيين من غير مؤيدي سياسة الولايات المتحدة يراهنون على ان لا مصلحة لهذه الاخيرة في انهيار مالي وهي ستفعل ما يلزم لمنع ذلك. فالديبلوماسي الاميركي كان شرح وفق ما يلاحظ خبراء اقتصاديون ان الاجراء الذي اتخذ في حق "جمال تراست بنك" هو "لحماية القطاع المصرفي وتحصينه ضد الاستغلال" كما ورد في بيانه في 30 آب الماضي وان بلاده تقف الى " جانب الشعب اللبناني والسلطات المالية اللبنانية". الا ان الاجراء في حد ذاته سرق الاضواء من امام هذه التأكيدات كما ان كثرا يعتبرونه كلاما مبدئيا لن ينفي وجود خطوات اخرى مماثلة تحت العنوان نفسه خصوصا في ظل شائعات تطاول احتمال اتخاذ اجراءات ضد حلفاء سياسيين للحزب شملت في شكل اساسي قادة التيار العوني. والتأكيدات نفسها حول عدم التضييق على القطاع المصرفي اكدها بيلينغسلي مجددا في لقائه مع الاعلاميين في السفارة الاميركية علما ان حاكم المصرف المركزي رياض سلامه قال هذا الامر بصراحة ايضا على اثر لقائه المسؤول الاميركي على قاعدة العمل مع المصرف وحاكمه كما قال الاخير والشراكة بين لبنان والولايات المتحدة في هذا الاطار. ومن الواضح بالنسبة الى هؤلاء الخبراء رغبة واشنطن في احباط المسعى لتحميلها مسؤولية اي انهيار يمكن ان يحصل تحت وطأة العقوبات التي تفرضها على الحزب باعتبار ان هذا العامل يتم توظيفه سياسيا ايضا واحيانا للضغط على واشنطن لعدم الذهاب اكثر في الضغط على لبنان واخذ بعض الاعتبارات المهمة والخطيرة في حساباتها ايضا بحيث لا تطيح العقوبات لبنان من خلال المخاوف من التعاملات المالية او من بعض المصارف والخلل اللاحق بالثقة بالمصارف تبعا لذلك اقله وفق الاتجاهات التي عبرت عنها حركة السوق المالية في الاسابيع القليلة الماضية.
وتبعا لذلك اقفل بيلينغسلي الباب على هذه المخاوف ازاء التضييق على القطاع المصرفي من اجل ان يبرز في المقابل في شكل اساسي مواقف ايجابية من حاكم المصرف المركزي كما من جمعية المصارف ايضا في السياق نفسه لكن من دون ان يغلق المسؤول الاميركي الباب فعلا على استهداف تمويل الحزب. لكن الاطمئنان الى الرسائل التي حملها في هذا الاطار بوضوح يمكن استخدامها من اركان القطاع المصرفي للتوجه بثقة اكبر في التعاطي مع التحديات التي يواجهها لبنان على هذا الصعيد.
روزانا بومنصف - النهار



