لا يعتقد الايرانيون أن لهم مصلحة في عقد لقاء بين رئيس جمهوريتهم الشيخ حسن روحاني ورئيس أميركا دونالد ترامب، يقول اللبنانيون القريبون من طهران أنفسهم. والسبب أنه قام بأعمال بالغة الأذى لهم ولبلادهم. فهو من جهة بادرهم بالعداء والتهديد فور بدئه ممارسة رئاسته، ثم سحب بلاده من الاتفاق النووي فعطّله رغم تمسك الموقّعين الآخرين عليه به. وانطلق بعد ذلك في فرض عقوبات شديدة على مسؤوليها ورجال مال وأعمال ومصارف وكيانات سياسية وعسكرية، وكانت أقصاها ما سمّاه هو "تصفير" إنتاجها من النفط في محاولة لإخضاعها وجلبها الى طاولة المفاوضات بشروطه. وشمل بعقوباته حلفاء ايران وأهمهم على الاطلاق "حزب الله" اللبناني الهوية والاسلامي الايديولوجيا على الطريقة الايرانية الشيعية. ويمكن اعتباره وخصوصاً بعدما أثبت بتحريره لبنان من احتلال اسرائيل عام 2000 وبمنعها من تحقيق أهداف حربها عام 2006، ثم بمبادرته الى مساعدة سوريا الأسد لمواجهة الثورة التي تحوّلت حرباً أهلية وإرهابية في آن، يمكن اعتباره درّة تاج الجمهورية الاسلامية طبعاً الى جانب الدرّة الأساس وهي "الحرس الثوري". طبعاً يعرف القريبون أنفسهم أن فرنسا الناشطة أكثر من شركائها الآخرين في الاتفاق النووي، حاولت مرّات عدة التوصل الى حلول وسط بين النظام الايراني وترامب، كانت آخرها قبل قمة السبعة الكبار G7 التي استضافتها في بيارتيز وفي أثناء انعقادها. والطرح الذي تقدمت به لطهران والذي بحث فيه لاحقاً في بيارتيز بعد وصول وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إليها بدعوة من رئيس فرنسا ايمانويل ماكرون أو وزير خارجيته، تضمن عناصر عدّة أبرزها اعتبار الاتفاق غير موجود أو ملغى، وعودة ترامب عن العقوبات التي فرضها منذ وصوله البيت الأبيض، والعودة الى العقوبات التي كانت مفروضة عليها عند توقيع الاتفاق النووي والتي أُلغي بعضها لاحقاً، والاتفاق على آلية تُنشأ بموجبها مؤسسة اسمها "إنستكس" Instex ويتم من خلالها التبادل التجاري الانساني بين ايران ودول العالم، وعودة الانتاج النفطي الى صيغته. علماً أن أموال الاستيراد والتصدير تُدفع فيه وتُخصص للبضائع المتعلقة بالحاجات الانسانية والدوائية. لكن هذا الحل المعقّد والوحيد المطروح لم يتم تبنّيه بسبب المعارضة الأميركية. ولهذا السبب قرّرت القيادة الايرانية العليا الصمود والمواجهة والمقاومة حتى يحين موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، وعدم الرهان على تسوية مع ترامب ذي السوابق الفاشلة في التوصل الى حلول مع الدول التي لبلاده مشكلات عويصة ومعقّدة معها. فرئيس كوريا الشمالية كيم جونغ - أون لم يعط ترامب شيئاً رغم القمتين أو الثلاث التي جمعتهما. وعلى العكس فهو الذي أخذ منه اعترافاً واقعياً بنووية بلاده ونظامه وشرعيتها.
ورئيس روسيا بوتين لم يعط ترامب شيئاً لا في المنطقة (سوريا – ايران) ولا في اوكرانيا، رغم شبهة "العلاقة" القديمة بينهما والتي لم يمحها من أذهان كارهيه من الأميركيين، اعلان المحقّق الخاص مولر في تقريره الشهير عدم وجود أدلّة على تواطؤ بينه وبين روسيا. وفشل ترامب أيضاً مع "الطالبان" الأفغانية. ولذلك فإن السؤال كيف سينجح معنا؟ الذي تطرحه القيادة في طهران هو في محلّه. فمع كل هؤلاء الزعماء لم يبد أن الرئيس الأميركي كانت معه أطروحات معينة أو مشروعات تسوية سواء من صنعه أو من صنع "إدارته". وفي أميركا دولة عميقة كما يعرف الكثيرون تسمى "إستابليشمانت". ورغم أن رئيسها هو صاحب القرار النهائي لكن هذه الأخيرة تشكّل قيداً له أو قيوداً. ومن الأدلة على ذلك أنها رفضت قراره سحب القوات من سوريا رغم حديثه عنه أكثر من مرة واضطراره الى موافقتها. وهذه الدولة العميقة وترامب والجمهوريون والديموقراطيون كلهم لا يريدون حرباً مع إيران. والعقوبات الشديدة والمتصاعدة في رأيهم هي البديل. هذا واقع عاشت معه هذه الأخيرة وتستطيع الاستمرار في العيش معه وإن ازدادت صعوباته وأخطاره.
هل طويت صفحة اللقاء الرئاسي الايراني – الأميركي؟ المعلومات المتوافرة عند المعنيين بالمشكلة العويصة بين طهران وواشنطن من الأميركيين يرجحون ذلك. لكنهم يشيرون الى أمر لم يثره أحد ولم ينتبه اليه أحد سواء في أميركا أو أوروبا أو الشرق الأوسط بل في العالم كله، ويتعلّق بالتكافؤ بين صاحبي الموقعين الرئاسيين في الدولتين أي ترامب وروحاني من ناحية الصلاحيات. ومن شأن ذلك زيادة احتمالات فشل أي لقاء يتم بينهما. فإذا كان لقاء كيم جونغ - أون وترامب فشل رغم كون الأول المقرّر الوحيد بل الحاكم الوحيد في كوريا الشمالية مع ترامب صاحب القرار الأول في بلاده، ولقاء ترامب – "الطالبان" فشل رغم كون الأخيرة الأقوى في أفغانستان والأكثر قدرة على الإمساك بها كلها بعد الانسحاب العسكري الأميركي منها، فكيف يمكن للقاء صاحب القرار في أميركا مع نظيره روحاني أن ينجح رغم كون الثاني غير مقَرّر، ورغم كون القرار الأول والأخير عند المرشد والولي الفقيه آية الله خامنئي؟ والجواب الثابت عند هؤلاء المعنيين أن نجاحه صعب وأن التساوي في الموقع والصلاحيات يسهّل البحث في كل القضايا، في حين أن عدم التساوي سيفرض على الفريق "الأضعف" الرجوع الى صاحب القرار الفعلي قبل بتّ أي اقتراح. إلا اذا كان ترامب يريد من لقائه وروحاني الصورة كي يستعملها في الانتخابات الرئاسية. وهذا ما لن تعطيه إياه إيران يقول القريبون منها أنفسهم. كما أنها لن تعطيه أيضاً اجتماعاً مع خامنئي الا لتكريس اتفاق يحفظ مصالح بلاده. واللقاء بسبب الجانب الديني البالغ الأهمية لموقعه لا يمكن أن يتم الا في إيران وبزيارة لها من ترامب. وهذا ليس تعقيداً في رأي إيران. فخامنئي لا يسافر. ورئيس روسيا زاره في طهران وكذلك رئيس تركيا ورؤساء دول أخرى كبرى ومتوسطة وصغرى في المنطقة وفي العالم. ما الحل إذاً؟
■ ملاحظة: سقط سهواً رقم "الموقف هذا النهار" يوم أمس وهو 4.
سركيس نعوم - النهار



