بعدما دخلت الهجمات العسكرية في سباق مع حرب العقوبات الاقتصادية في ظل اشتداد المواجهة بين أميركا وايران، هل بات في الامكان القول "اشتدي أزمة تنفرجي" ويكون للحل السياسي حظ من النجاح لانهاء هذه المواجهة؟
إن الرد على هجمات "أرامكو" لن يتقرر إلا بعد معرفة مصدرها. هل انطلقت من اليمن فيكون الرد شيئاً أم من إيران فيكون الرد شيئاً آخر؟
لقد أرسلت أميركا قوات لحماية أمن الخليج وأمن ناقلات النفط، حتى اذا ما ردَّت ايران على تشديد العقوبات عليها بمزيد من الهجمات الشديدة وعلى مواقع حيوية في السعودية أو في أي دولة خليجية، فإن هذه القوات تستطيع صدّ هذه الهجمات وتعطيل فعاليتها، فلا تظل المعادلة كما تريدها طهران هجمات ايرانية رداً على العقوبات، ولا تصبح العقوبات عندئذ وحدها قادرة على تغيير سياسة ايران وسلوكها عندما تقابلها هجمات ايرانية مؤذية على دول الخليج، بحيث انها قد تجعل أميركا مضطرة الى إعادة النظر في هذه العقوبات كمدخل للبحث عن حل للحرب في اليمن، وهي من أسباب الهجمات على السعودية سواء انطلقت من اليمن أو من ايران، وهي هجمات محدودة يردّ عليها بهجمات محدودة من دون أن تشعل حرباً شاملة يتضرر منها الجميع، وهو ما لا يريده أحد.
إن القادة في إيران يدَّعون حتى الآن أن العقوبات الاقتصادية على بلادهم لن تغير سياستهم، بل أن ما يغيرها هو التوصل الى حل للحرب في اليمن، وهي الحرب التي جعلت المواجهة مع أميركا ومَن معها من دول الخليج تشتد، وان الرد على الهجمات الايرانية بالمثل توصلاً الى حل سياسي في اليمن هو المدخل لازالة اسباب التوتر والحرب في المنطقة. لذلك تحاول ايران الضغط بهجمات عسكرية على السعودية وعلى دول الخليج علَّها تتوصل الى تخفيف الضغط السياسي والاقتصادي الأميركي عليها، من دون أن تؤدي الهجمات التي استهدفت شركة "أرامكو" والرد عليها الى إشعال حرب شاملة كونها مرفوضة من الجميع، وهو ما جعل ايران تمتلك هامشاً واسعاً للتحرّك وتوجيه ضربات محدودة الى مواقع حيوية في السعودية، وجعل من دول خليجية أخرى مهدَّدة أيضاً ما دامت هذه الضربات لا تشعل حرباً بل قد يصير الرد عليها بالمثل.
لذلك اكتفت أميركا الآن بارسال قوات عسكرية الى منطقة الخليج لحمايتها من ضربات ايران العسكرية المؤذية، حتى اذا ما استمرت وتصاعدت فقد لا تبقى محدودة بل ربما تشعل حرباً شاملة قد تفضّلها ايران لأنها تساوي بين الجميع في الخسائر البشرية والمادية، في حين أن الحرب الاقتصادية تضر بايران وحدها.
إن عزم الرئيس الايراني حسن روحاني على التقدم من الجمعية العمومية للأمم المتحدة بمبادرة لانشاء تحالف لضمان أمن الخليج ومضيق هرمز على أساس التعاون بين دول المنقطة ولقطع الطريق على تحالف من خارج المنطقة ومن داخلها، وهو اقتراح سوف يكشف حقيقة نيات كل الأطراف، وهل المواجهة المشتدة بين أميركا وايران ستنتهي بحل سياسي تظهر ملامحه عند مناقشة الاقتراح الايراني أم يواجه العرقلة فتبقى المنطقة معرّضة لشتى الاحتمالات؟
إن السؤال المطروح الذي لا جواب عنه حتى الآن هو: هل ستنتهي المواجهة بين واشنطن وطهران بحل سياسي أو عسكري وإن محدود قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية فيستفيد الرئيس ترامب انتخابياً بجعل ايران تعود الى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة، أم ترجأ هذه العودة الى ما بعد الانتخابات وتكون لها معطيات جديدة سواء صار التجديد للرئيس ترامب أو جاءت نتائج الانتخابات الأميركية برئيس آخر؟
إن نتائج مناقشة الاقتراح الايراني في الجمعية العمومية للامم المتحدة، فضلاً عن مساعٍ أوروبية وروسية، سوف تظهر مدى استعداد الاطراف المعنيين لمعالجة المواجهة الأميركية - الايرانية ديبلوماسياً أو عسكرياً. وفي انتظار ذلك فإن القوات الأميركية التي أرسلت الى منطقة الخليج هي قوات حماية وردع للهجمات الايرانية على أي دولة في المنطقة، وقد تتحول قوات مهاجمة اذا ما تمادت ايران في توجيه ضرباتها الى هذه الدول. وقد يكون من مصلحة ايران خلال فترة الانتظار هذه مراقبة التطورات التي قد تأتي بحل للمواجهة بينها وبين أميركا سواء قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية أو بعدها اذا ظلت الحرب الشاملة في المنطقة ممنوعة.
اميل خوري - النهار


