في محاكاة لسيناريوات حرب افتراضية بين أميركا وإيران ومواجهات بالوكالة بين حلفاء الجانبين في المنطقة، بدا تجنب النزاع هاجساً رئيسياً لكل الأطراف، وتبين أن سياسة حافة الهاوية استراتيجية خطيرة يعتمدها كل فريق لدفع الفريق الآخر إلى التفاوض ضمن شروطه. بمعنى آخر، لم تكن الحرب التي قرعت طبولها مطلع هذا الصيف هدفاً، على رغم أن الجميع استخدموا العنف و"شحذوا" الصواريخ ووضعوا الخطط لمواجهات محدودة أو شاملة.
في موازة استبعاد الحرب، تبدو أفاق السلام أكثر غموضاً، في ظل غياب الثقة بين المتخاصمين الرئيسيين، مع ابداء الجانب الأميركي استعداده لمفاوضات من دون شروط، ، وتمسكه في المقابل باستراتيجية "الضغط الأقصى"، وترحيب طهران بالمفاوضات شرط رفع العقوبات.
كان "بيت المستقبل" في بكفيا أول من أمس منصة لـ"لعبة حرب" نادرة في العالم العربي، استمرت أكثر من ست ساعات ونظمها بالتعاون مع مؤسسة "كونراد أديناور ستيفتنغ" بعنوان "مسارات ثلاثة أمام إيران لمواجهة الحزم الأميركي: الصمود، المناورة أم التنازل؟" وشارك فيها باحثون وأكاديميون وديبلوماسيون من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيران والكويت ولبنان وأدارها المدير العام التنفيذي لمؤسسة "إينغما" رياض قهوجي.
واستندت المحاكاة إلى سيناريوات كان يمكن أن تشهدها المنطقة نتيجة التوتر الذي بلغ ذروته مطلع الصيف. واضطلع بأدوار صانعي القرار باحثون أو أكاديميون أو خبراء مطلعون على آليات وضع السياسات في دولهم.
¶ السيناريو الأول: انفجار على متن سفينة نتيجة لغم أو هجوم بطائرة مسيرة، وسقوط أربعة قتلى وعدد من الجرحى، أي ردود أميركية متوقعة؟
مدير الأبحاث في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" باتريك كلاوسون كان واضحاً في أن ترامب سيأمر باستخدام القوة رداً على هذا الهجوم، لكنه سيكون حريصاً على ألا يوقع الرد ضحايا بل أضراراً مادية. كما سيأمر بزيادة الأصول العسكرية وسيسمح بهجمات سيبيرية.
-بناء على الرد الإيراني، تشن أميركا غارات على قواعد إيرانية ويسقط ضحايا، فكيف ترد إيران؟
الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية عباس خامه يار قال إن إيران أبدت بإسقاط الطائرة المسيرة الأميركية استعداداً للرد الذكي والسريع. وفي مواجهة هجوم كهذا يوقع ضحايا، ستكون مستعدة للرد بقوة وعنف على أهداف أميركية، لأنها تعرف حساسية الشعب الإيراني حيال أي اعتداء أجنبي.
- نتيجة الرد الإيراني، تسقط صواريخ في دول الخليج. فأي رد يكون للدول الخليجية؟
البروفسور في جامعة الكويت عبدالله الشايجي توقع رداً خليجياً محدوداً لأن دول الخليج لن تكون جزءاً من النزاع إلا إذا تضررت منشآتها النفطية وهو ما سيعتبر اعتداء عليها.
- المواجهة حصلت فماذا سيكون موقف بريطانيا وأوروبا؟
الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة جاك واتيلينغ أجاب بأن أمن منشآتنا في الخليج سيصير في مقدم أولوياتنا، وسنبذل جهوداً ديبلوماسية مع لبنان والعراق لمنع أي تصعيد في هاتين الدولتين، كما سنجلي المواطنين من المنطقة. قد لا نشارك في ضربات عسكرية، لكننا مستعدون لمساعدة أميركا على حماية الملاحة البحرية.
هنا تدخل الرئيس أمين الجميل ليسأل عن رد بريطانيا على احتجاز طهران ناقلتها النفطية، فقال واتلينغ إن لندن تجنبت أي رد كان سيطلق ديناميات تهدد الاقتصاد العالمي والمصالح البريطانية.
مدير برنامج العراق وسوريا ولبنان في مجموعة الأزمات الدولية هايكو ويمرن توقع مشاركة أوروبا في جهد دولي لحماية السفن.
- إذا كان العراق جزءاً من رد إيراني محدود عبر وكلاء طهران، ماذا يكون الرد الرسمي لبغداد؟
السفيرة العراقية السابقة في واشنطن رند رحيم قالت إن الرئيس ومجلس النواب والحكومة قد يتمسكون بالحياد، بينما يعتبر "الحشد الشعبي" أن الاعتداء على ايران هو اعتداء على العراق. وقد تحرك طهران برلمان العراق للمطالبة بطرد القوات الاميركية من العراق أو توجه صواريخ ضد قواعد أميركية فيه. ولم تستبعد انهيار الحكومة اذا اتهم "الحشد" رئيسها بالانحياز إلى واشنطن، وفي السيناريو الأقصى قد تحصل فوضى في البلاد.
- متى يمكن أن يتدخل "حزب الله"؟
الصحافي والكاتب اللبناني قاسم قصير تحدث عن إنشاء غرفة لقيادة محور المقاومة الذي يضم نحو 150 ألف مقاتل بين لبنان والعراق وسوريا والمن وفلسطين. ولكل فريق من هذا المحور حسابات مرتبطة بالوضع الداخلي. ويحرص "حزب الله" حتّى الآن على عدم إدخال لبنان في حرب شاملة، أما إذا تطور النزاع، فسيكون استهداف اسرائيل الخيار الأنسب له.
¶ السيناريو الثاني: تقصف إسرائيل ما تعتبره مصنعاً للصواريخ، فيسقط ضحايا من "حزب الله"، فكيف يكون رد الحزب؟
قاسم قصير رهن حجم الرد وقوته بالظروف الإقليمية. فإذا كانت الأجواء تميل إلى التصعيد، سوف يكون الرد مفتوحاً على مراكز اسرائيلية بواسطة صواريخ ذكية.
- ما سيكون موقف الحكومة اللبنانية وإسرائيل من المواجهة؟
الوزير السابق روجيه ديب رأى أن الدولة اللبنانية الحريصة على النأي بالنفس ستسعى إلى إعادة علاقة الردع المتبادل بين لبنان وإسرائيل، وستسعى لدى حلفائها إلى لجم التوتر.
-واتلينغ الذي لبس في هذه الجلسة "عباءة" إسرائيل مع حرصه على تأكيد عدم ارتباطه بها، أكد أن اسرائيل ستواصل سياستها ضرب بنى تحتية للصواريخ سواء في سوريا أو العراق أو لبنان. ومع أنها لا تريد حرباً مع لبنان، لن تتوانى عن استخدام القوة ضده، وإن تكن ستسعى إلى ابقاء الرد متناسقاً.
- أي رد من لبنان سوف يستدعي رداً قوياً من إسرائيل؟
- واتلينغ: إذا حاول "حزب الله" تعطيل الدفاعات الصاروخية باطلاق وابل كثيف من الصواريخ سترد عليه إسرائيل بالمثل وفي أمكنة عدة.
- ما سيكون موقف واشنطن وأوروبا من هذه المواجهات؟
قال كلاوسون إن واشنطن ترى أنه من حق إسرائيل أن تختار الرد المناسب، وإن تكن ثمة أصوات في الولايات المتحدة تحذر من تدمير لبنان.
وفي رأي ويمرن أن فرنسا ستكون السباقة في الاضطلاع بدور، ودعم إسرائيل سيكون محدوداً لأن الأوروبيين ليسوا مقتنعين تماماً بأن ثمة مصانع صواريخ تشكل تهديداً وشيكاً.
- تشن إسرائيل هجمات على قواعد إيرانية في سوريا، وتوقع قتلى من الحرس الثوري و"حزب الله"، وترد إيران بصواريخ على اسرائيل، فكيف سترد اسرائيل؟
واتلينغ اعتبر أن اسرائيل سترد بهجمات انتقامية كبيرة إذا لم يكن هناك وجود روسي في المنطقة التي انطلقت منها الصواريخ، وإلا ستنشّط ديبلوماسية خفية لامهال الروس لاخلاء المنطقة قبل الرد.
- كيف سيكون رد الحكومة السورية؟
المدير العام السابق لوزراة الإعلام محمد عبيد قال إن مستوى الاعتداء يحدد الرد الذي سيكون له طابع المبادلة أنا استهدف قوات سورية لأن الحرب الكبيرة ليست من أولويات الحكومة السورية. أما اذا استهدف الاعتداء الحرس الثوري أو "حزب الله" فقد لا يضطر النظام الى الرد لأن الأمين العام السيد حسن نصرالله أراح دمشق عندما قال إن سقوط مقاتلين في سوريا سيرد عليه من لبنان.
-هل يستخدم الحزب مواقعه في سوريا في مواجهة مع إسرائيل؟
قصير قال إنه لن يكون هناك تحييد لأي جبهة مع أن الجميع يحرصون على أن تبقى المواجهة محدودة. وحتى أن هناك خططاً لاختراق الحدود مع إسرائيل.
- هل يحصل دعم ايراني مباشر لـ"حزب الله"؟
يجيب خامه يار بأت ايران لن تترك حلفاءها وشعوب المنطقة.
- ماذا يكون موقف الحكومة السورية من توغل اسرائيلي بري في سوريا؟
العضو في المجلس الوطني السوري عليا منصور استبعدت أي رد، ذلك أن ترامب اعترف بضم اسرائيل الجولان ولم يحرك النظام ساكناً.
¶ في السيناريو الثالث، مسار السلام في ظل الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران.
عرض كلاوسون ظروف إقالة مستشار الأمن القومي جون بولتون وتأثيرها على مسار الأزمة مع إيران، موضحاً أن بولتون شارك في الفترة الأخيرة في حملة في الكونغرس للضغط على ترامب لتغيير سياسته، وهو ما اعتبره الرئيس تمرداً عليه، فعزله.
ورأى أن ترامب يحقق انجازاً سياسياً كبيراً إذا توصل إلى اتفاق مع طهران، لكن تحقيق ذلك صعب لأن ثمة فجوة كبيرة في الثقة بين الجانبين.
وسأل قهوجي خامه يار هل يمكن أن يسهل خروج بولتون عقد لقاء بين ترامب والرئيس الايراني حسن روحاني، فأجابه الأخير بأن ايران لن تعطي ترامب هدية مجانية صورة مع الرئيس الايراني، وأن أية مفاوضات يجب أن تكون بناء على أسس واضحة.
أوجز قهوجي الصورة الراهنة بأن الجانب الإيراني يضع شروطاً للعودة إلى المفاوضات، والجانب الأميركي يريد التفاوض لكنه ليس في حال يأس تضطره إلى تقديم تنازلات. لذا فانه ينبغي اتخاذ خطوات لبناء الثقة قبل أن يدفعنا التوتر إلى الهاوية، الأمر الذي يفتح الباب للدول التي تقيم علاقات مع الجانبين للاضطلاع بدور في هذا الاطار. وهنا قدم كل مشارك مداخلته عن دور افتراضي لبلاده.
موناليزا فريحة - النهار



