في ذروة لحظة احتدام، استراتيجياً وداخلياً، اتخذ خطاب ذكرى "شهداء القوات اللبنانية" تحت شعار “ما راحوا “، دلالات بارزة للغاية خصوصاً انه تزامن تماما في مطالع المهرجان مع التدهور الخطير الذي كان يجري على الحدود اللبنانية الجنوبية مع اسرائيل الامر الذي اسبغ على المهرجان والخطاب مزيدا من التوهج. ذلك ان رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع دشن على نحو واضح من خلال خطابه امس مرحلة تحول سياسي واعلامي يمكن اختصارها بانها بداية مرحلة المعارضة الصارخة والاعتراض الصارخ من داخل الحكومة على الحكومة والحكم والعهد بلا قفازات. فلم يسبق لاي فريق او زعيم سياسي ان وجّه سهاماً لاذعة بالقدر الذي وجهه أمس جعجع في القداس السنوي لشهداء القوات واضعا للمرة الاولى بهذا المنحى الحاد علاقته او ما تبقى منها مع سيد العهد الرئيس العماد ميشال عون أمام محك حاسم. وما وفّره جعجع بالنسبة الى العهد مبقيا شعرة معاوية بينهما، لم يتردد لحظة في الاجهاز عليه من خلال هجماته اللاذعة على الوزير جبران باسيل من دون ان يسميه كما ان إعلانه سقوط الدولة امام الدويلة بدا بمثابة تمديد لواقع المعارضة الشرسة من الداخل نحو كل أركان الدولة. ولعل من ابرز المواقف التي اعلنها جعجع قوله "لنا لبناننا ولهم لبنانهم، لنا جمهورية الارز وأكاليل الغار ولهم جمهورية الموز وأكاليل العار. لنا حزب الاف الشهداء ولهم حزب مليارات الصفقات وصفقات المليارات ...” . واذ ذكّر بما سماه الانقضاض على "اتفاق معراب" والتنكّر له قال: "من المؤسف اشد الاسف ان العهد الذي أردناه وما زلنا عهد استعادة الدولة من الدويلة وعهد البحبوحة والازدهار لم يكن حتى اليوم على قدر هذه الامال"، لافتا الى ان "انياب الدويلة بارزة اكثر من اي وقت مضى وأركان الدولة يمالئون الدويلة ويغسلون أيديهم من الدولة". واذ تعهد جعجع ان "نبقى حناجر تصدح بالحق وتشهد للحقيقة مهما كانت صعبة"، هاجم من وصفهم "ببعض أرانب السياسة التي تتوهم بانها تسابق القوات لكنها مهما ركضت وقفزت وافتعلت بهلوانيات تبقى مجرد أرانب". اما الجانب المتصل بالتوتر الناشئ بين لبنان وإسرائيل فتناوله جعجع قائلاً: “لا نفهم باي مقاييس ومعايير يريد احد الأطراف الزج بلبنان وشعبه في أتون المواجهة بين الولايات المتحدة وايران ومن غير المسموح ان يفرض على اللبنانيين امر واقع بهذه الخطورة ليسوا معنيين به اساساً". ودعا رئيس الجمهورية الى توجيه رسالة في هذا الموضوع الى مجلس النواب .
واذا كان خطاب جعجع اشعل ردودا حادة عليه من وزراء ونواب في "تكتل لبنان القوي"، فإن الأنظار تتجه اليوم الى طاولة الحوار الاقتصادي الذي سيعقد بعد الظهر في قصر بعبدا حيث ستشكل اختبارا اوليا للأجواء الداخلية الشديدة الاضطراب التي اعقبت التدهور الميداني على الحدود الجنوبية وانعكاساته على الواقع السياسي والاقتصادي الداخلي فضلاً عن العلاقات المتوترة بشدة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. فأي مشهد داخلي سيشهده اللبنانيون وسط تزاحم الازمات والتوترات؟
المصدر: النهار



