قدّم نائب وزير الخزانة الاميركية مارشال بيلنغسلي "افتتاحية طويلة" أعلن فيها إدراج مصرف "جمّال ترست بنك" على لائحة العقوبات الاميركية بتهمة تقديم خدمات الى "حزب الله"، بحيث شملت افتتاحيته جزءين أحدهما خصصه للدور الذي يؤديه الحزب في الواقع اللبناني والذي هو وفق ما اورده معاكس لما يروجه الحزب عن نفسه، والآخر للاسباب التي حدت بالخزانة الاميركية على معاقبة "جمّال ترست بنك" لصلته بالحزب وتسهيله اعماله "الارهابية".
تحدث في القسم الاول عن مدى التهديد الذي يشكله الحزب للاستقرار في لبنان والمنطقة وتعريضه لبنان لمخاطر اقتصادية ومالية، فيما تحدث في القسم الآخر عن تفاصيل العلاقة التي يقيمها المصرف مع الحزب بوساطة النائب امين شري، كما قال. ولم يقتصر الموقف الاميركي على ما أورده بيلنغسلي بل تم تدعيمه بموقفين احدهما لوزير الخارجية مايك بومبيو والآخر لمستشار الامن القومي جون بولتون، والاثنان أدرجا معاقبة المصرف من ضمن دعمه الحزب في عملياته المالية والمصرفية غير الشرعية، وعبّرا عن إرادة واشنطن وجديتها الكبيرة في مواجهة أعمال الحزب والتصدي لها، في مقابل الإشادة بقدرة المصرف المركزي على معالجة الموضوع وتبرير القرار المتخذ بـ"الرغبة في حماية القطاع المصرفي وحمايته وتحصينه ضد الاستغلال". ولم يظهر المسؤولون اللبنانيون هلعا ظاهريا إزاء هذه الخطوة، ربما لمعرفتهم المسبقة بالخطوات الاميركية المرتقبة إزاء الحزب في شكل أساسي، ثم إزاء كل من يتعامل معه، بحيث بدا الإجراء الاميركي متوقعا ومنتظرا في المطلق، لكن كان ملاحظا غياب اي موقف رسمي مندد أو رافض، لا بل بدا أنّ هناك مسعى الى استيعاب القرار على الفور بمواقف عبرت عن ذلك، لكن الأمر لم يحل في الواقع دون إثارة المخاوف الكبيرة من الانعكاسات التي يتركها الاجراء الاميركي، والذعر من أن تطاول إجراءات مماثلة أيّ مصرف آخر. والحال أن الاجراء الاخير يشكل انذارا او تحذيرا متقدما للمؤسسات المالية في شكل اساسي، ولو ان المسؤولين الاميركيين تركوا رسالة واضحة بدعم القطاع المصرفي وعدم استهدافه، وإنذارا لسائر المتعاونين والداعمين للحزب على نحو يشكل ضربة أساسية له كما للبنان الرسمي. وغياب الموقف الرسمي يعبّر على ما يبدو عن غياب القدرة على الخروج بموقف دفاعي او تبريري واضح في هذا الاطار، اولا في ظل وضع اقتصادي صعب جدا يقتضي وعيا في إصدار المواقف وعدم التحدي برفع السقوف السياسية في ظل عدم امتلاك لبنان أوراقا قوية على نحو كافٍ، وثانيا في ظل وجوب ضبط النفس على خلفية توترات لا تتصل بلبنان فحسب، بل تتعلق بما يحصل بين الولايات المتحدة وإيران والحزب معها، وتشظي انعكاساته على لبنان وفيه. يضاف الى ذلك ان هذا الامر يختلف عن الدفاع عن انتهاك اسرائيل لسيادة لبنان، حتى لو استهدفت منطقة نفوذ للحزب أو أهدافا له.
يعتبر سياسيون أن الاجراء الاميركي رسالة قوية ولكن مدروسة بحيث شملت مصرفا صغيرا نسبيا لا يتوقع ان تترك معالجته صعوبات كبيرة في القطاع المصرفي او تحدث اهتزازات فيه. لكنه يكتسب أهميته في شكل خاص على ضوء التطورات العسكرية التي حصلت الاسبوع الماضي، بحيث تضيف أثقالا الى واقع أنه بين التهديد الاسرائيلي على وقع ما تردد من قيام اسرائيل باستهداف مركز لاعداد الصواريخ او للطائرات المسيرة على خلفية مساعدة يقدمها مسؤولون عسكريون ايرانيون عرضت اسرائيل صورا لهم والاجراء الاميركي ازاء "جمال ترست بنك" لتعاونه مع الحزب، انما تضع الرأي العام اللبناني امام استحقاقات صعبة تتعلق باثارة تساؤلات امامه حول الكلفة الباهظة للحزب كما هو والتحديات التي يشكلها كما بالاداء الذي يقوم به وبصلته مع ايران ومصالحها المؤثرة على لبنان. وهذا لا يمكن ان يعتبر ضغطا بسيطا إنما اساسيا على اللبنانيين للابتعاد عن الحزب والضغط عليه من اجل تغيير مساره خصوصا متى انتقل لبنان من مشكلة الى اخرى بسبب من الحزب في ظل عجز عن حمايته في الواقع ما دام ارتباطه الاقليمي اوسع ويتصل بايران التي تقيم علاقات متوترة مع الولايات المتحدة على خلفية عقوبات ضدها ايضا. اذ انه وعلى اثر الاجراءات العقابية التي اتخذتها واشنطن ضد نائبين من الحزب وقيادي لديه تعهد رئيس الجمهورية بالعمل مع السلطات في الولايات المتحدة من اجل متابعة الموضوع فيما اعتبر رئيس الحكومة آنذاك بان هذا الاجراء الاميركي ضد نائبين لن يترك انعكاسات على عمل مجلس النواب. لكن الرئيس سعد الحريري اوضح على نحو غير قابل لاي لبس في اثناء زيارته الاخيرة لواشنطن بانه لا يمكن التأثير على الادارة الاميركية في هذا الموضوع ردا على اسئلة اذا كان ثمة عقوبات ستلحق بحلفاء سياسيين للحزب. وتاليا فان مجموعة اسئلة يمكن ان تطرح تبعا لذلك من بينها: اذا كان لبنان لا يستطيع ان يطلب او يؤثر على العاصمة الاميركية مراعاة مصالحه ووضعه فهل يمكنه ان يطلب ذلك من "حزب الله" باعتباره جزءا لا يتجزأ من الطبقة السياسية ويمثل طائفة اساسية في البلد ولماذا قد يسأل لبنان الولايات المتحدة التعاطف معه او تفهم حراجة موقفه ولا يمكنه الطلب من الحزب اخذ الاولويات اللبنانية في الاعتبار قبل اي شيء اخر خصوصا ان الحزب بدل اولوياته في الاعوام الاخيرة لتغدو متصلة بالمصلحة الايرانية وباعتبارات اقليمية تتخطى لبنان اقله بالاستناد الى المواقف المعلنة من الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله. ويعتقد مراقبون ديبلوماسيون ان هذه النقطة قد تشكل ابرز الاهداف الاميركية لجهة الضغط نحو دفع الحزب لان يكون حزبا سياسيا فحسب والتخلي عن مشاريعه وخططه التي تتخطى لبنان وقدراته انما عبر ما يوجع لبنان وبما يفرض عليه تمايزا عن الحزب وايران حتى تحقيق ذلك.
روزانا بومنصف - النهار