يبدو أن العلاقات بين مصر والصين تتوثق وتتعمق في سرعة الأمر الذي قد يثير ربما انزعاج وريبة الولايات المتحدة التي صارت الحليف الأول لها بعد "انقلاب" الرئيس الراحل أنور السادات على الحليف الدولي الأول والأكثر أهمية لبلاده أي الاتحاد السوفياتي. ففي الخامس من شهر آب الجاري وقّعت الحكومة المصرية مع شركة "مرافئ هاتشيسون" الصينية وفي حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، مذكرة تفاهم لانشاء رصيف كبير ومهم أو محطة Terminal للحاويات في مرفأ أبو قير. وهي معروفة دولياً بمهارتها وقدرتها في هذا المجال وخصوصاً بعدما نجحت في إدارة محطات وأرصفة من هذا النوع في سبع وعشرين دولة. علماً أنها تدير في مصر حالياً مرفأين تجاريين رئيسيين في الدخيلة والاسكندرية. وتضمنت المذكرة المُشار إليها التزاماً صينياً بتوفير الفرصة لاجتذاب استثمارات مباشرة في أبو قير، وبتدريب أكثر من 1500 مهندس مصري وعمال آخرين لشغل معظم الوظائف في محطة الحاويات. واستناداً إليها أيضاً فإن المنشأة الجديدة ستكون قادرة على التعامل مع نحو مليون حاوية سنوياً بعد إنجازها وبدئها العمل.
منذ متى بدأ التواصل المصري – الصيني يزداد ثم يتعمّق؟ يجيب باحث مصري يتعاون مع مركز أبحاث أميركي مهم أن السيسي زار الصين منذ توليه الرئاسة ست مرّات والتقى رئيسها شي جينبينغ سبع مرات، أولاها كانت عام 2014، ووقع معها 25 اتفاقاً ثنائياً تناول معظمها قطاعي الطاقة والنقل. كما تعهد التعاون في ما سمي لاحقاً "مبادرة الحزام والطريق"، وهي استراتيجيا طموحة تعتمد على الاستثمار في مشروعات الطرق وسكك الحديد وإنتاج الطاقة والترانزيت ومشروعات بنى تحتية أخرى في نحو ستين دولة.
ما هي الأسباب التي دفعت السيسي الى التودّد للصين والتقرّب منها؟
عددها ستة، يجيب الباحث العربي نفسه المتعاون مع مركز بحثي في واشنطن. الأول هو إعطاء الأولوية للعلاقات مع الدول التي لا تمارس ضغوطاً على مصر. والحكومة الصينية بقيت بمنأى عن القضايا الداخلية في مصر منذ انتفاضة 2011، وسارعت الى تهنئة السيسي بانتخابه رئيساً، وشاركت عبر ممثل لها في حفل تنصيبه إذا جاز استعمال هذا التعبير. وخلافاً لأميركا فإن بيجينغ لم تنتقد القاهرة لسجلها الحافل بالاعتقال السياسي وتعذيب السجناء وانتهاك عدد من حقوق الانسان. وفي المقابل بقي السيسي صامتاً حيال قمع الصين الأقلية المسلمة فيها (عشرات الملايين) المنتمية الى الاويغور.
والثاني تسريع النمو الاقتصادي. فالصين هي ثاني أكبر اقتصاد عالمي وتعتبرها القاهرة الانموذج العالمي والشامل في هذا المجال مستقبلاً. وقد اختار السيسي انطلاقاً من ذلك تأسيس علاقات لوجستية آملاً أن يجعل من مصر لاعباً مركزياً في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وقد ركّزت الاستثمارات المصرية للصين على المشروعات الصناعية (55 في المئة)، وعلى البناء (20 في المئة) وعلى الخدمات (19 في المئة). ومن أجل تشجيع التعاون الثنائي أسّست الدولتان غرفة تجارية مشتركة. ويبدو أن السيسي ينظر بودّ وربما بإعجاب وشغف الى نجاح الصين في تحويل نفسها من دولة نامية الى قوة اقتصادية رئيسية. وهو يراها أنموذجاً لدولة أطلقت الاقتصاد وحقّقت نمواً كبيراً رغم اعتماد النظام الحاكم فيها "القبضة الحديد".
والثالث التودّد الى قوة عظمى. فالصين في نظر السيسي هي القوة السياسية والأمنية الأعظم مستقبلاً، ووقوفها معه أو الى جانبه سيساعده في تعزيز مكانته على الساحة الدولية. وفي مقابل ذلك فرض السيسي فتح الأسواق المصرية الكبيرة للمنتجات الصينية. ومن شأن ذلك فتح نافذة لبيجينغ على العالم العربي وافريقيا. وهذا ما دفع الدولتين الى توقيع شراكة استراتيجية شاملة عام 2014.
والرابع تنويع الخيارات السياسية الخارجية والعسكرية المصرية. وفي رأي السيسي كان خطأ عهد مبارك وضع كل "بيضه" في سلة العالم الغربي. هو يؤمن بأن على القاهرة الانخراط مع كل قوة دولية كي لا تصبح معتمدة على محور جيوسياسي واحد.
والخامس إسناد الشرعية السياسية داخل مصر وجعلها حقيقة واقعة. فتاريخياً اعتمد معظم القادة المصريين على العسكر وسجلات الحروب البطولية لإظهار شرعيتهم وتقويتها، ولا سيما في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية. فمبارك ذكّر شعبه دائماً بدوره قائداً لسلاح الجو في حرب 1973، والسادات بقيادة بلاده نحو السلام، وناصر بكونه بطل الفقراء والعروبة ومحاربة الامبريالية. وحتى وقت قريب استعمل السيسي استراتيجيا مماثلة جامعاً الشعب حول مواجهة "الأخوان المسلمين" والمجموعات الجهادية الارهابية. لكنه الآن، ومع احتواء أجهزته الأمنية "الأخوان" وتقليصها على نحو ملحوظ عدد الهجمات الارهابية، يحاول إعادة إنتاج نفسه للرأي العام المصري كما يستمر قابضاً على السلطة. واحدى وسائله لذلك التقرّب من زعماء العالم والظهور على المسرح الدولي كلّما أتيحت له الفرصة وإظهار أنه المناسب لشعبه.
ما هي مضاعفات التعاون الوثيق المصري – الصيني بالنسبة الى السياسة الأميركية؟ صارت الصين عنصراً أساسياً في "أجندة" السيسي داخل بلاده وخارجها، ومن دون تمويلها وخبرتها فإن المشروعات الضخمة ما كانت لترى النور مثل العاصمة الجديدة وتوسيع قناة السويس. وفي المقابل تريد الصين الإفادة من موقع مصر في العالم العربي وافريقيا لتسهيل علاقاتها التعاونية مع المنطقتين، ومن شأن ذلك إقلاق الولايات المتحدة وإلحاق الضرر بالكثير من مصالحها. فضلاً عن أن مبيعات السلاح الصيني لمصر تقلقها استراتيجياً وتنافسياً، وتمكّن الصين من تحقيق اختراقات أمنية لها عبر تكنولوجيتها وشركاتها الكبيرة. ونجاح واشنطن في تحديد كل التهديدات الصينية المحتملة جرّاء التقارب الوثيق بين القاهرة وبيجينغ سيساعدها في تحديد موقع مصر في التنافس المتعاظم حول الدور والسلطة في العالم بين الأخيرة وواشنطن.
سركيس نعوم - النهار



