تحت عنوان إحتمالات الحرب والسلم، كتب نبيل هيثم في "الجمهورية": لم يكن ما حصل في الضاحية الجنوبية ليل السبت - الأحد أمراً عادياً، ولن يكون عابراً بطبيعة الحال. لقد خرقت إسرائيل الخطوط الحمر التي رسمتها حربُ تموز العامَ 2006، ليس جغرافياً فحسب، وإنما استراتيجياً.
منذ سنوات، لم تقم إسرائيل بشنّ ضرباتٍ على أهداف مرتبطة بإيران في سوريا، التي ظلّت، بسبب ظروفها الميدانية المعروفة، منطقةً عازلة بين الخطوط الحمراء المرسومة ليس على مستوى اللاعبين الإقليميين فحسب، بل على مستوى اللاعبين الدوليين.
هي حاولت بالفعل تغيير قواعد الاشتباك أكثر من مرة، ولكنها أخفقت، بدليل ما حدث حين تسبّبت في لحظة معيّنة بإسقاط طائرة "اليوشين" الروسية في أيلول العام 2018، وما جاء عليه رد الفعل الروسي على المستوى الاستراتيجي، بعد نشر منظومة "اس-300".
اليوم، تمضي إسرائيل في مغامرة أوسع نطاقاً، مستغلّةً التناقضات الدولية التي تبدّت بعد ساعات قليلة على أحداث عقربا والضاحية الجنوبية، حين استضافت باريس وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف.
هكذا تحاول إسرائيل توسيع نشاطها ضد إيران في الشرق الأوسط، سواءٌ لأغراض تكتيكية متصلة بالوضع الداخلي (انتخابات الكنيست) أو لأغراض استراتيجية متصلة بالملف النووي الإيراني، في ظلّ حالة عدم اليقين السائدة في تل أبيب حول خيارات دونالد ترامب في ما تبقى من ولايته الرئاسية الأولى، والحديث المتكرّر عن احتمال جلوس الإيرانيين والأميركيين مرة جديدة حول طاولة التفاوض.
بذلك يطرح ما جرى في الضاحية الجنوبية تساؤلاتٍ حول ما إذا كانت إسرائيل ماضية في تنفيذ الهدف المحدَّد ضد "حزب الله"، وعلى نطاق أوسع، إيران، ما يزيد من خطر نشوب صراع أوسع، لن تقتصر تداعياتُه على الجبهة اللبنانية.
في الواقع، فإنّ ما قامت به إسرائيل يعني بكل بساطة أنّ الكلمة الآن باتت للميدان، حيث لم تعد الدبلوماسية إلّا تفصيلاً، لهذا فإنّ الكل يترقب مجريات الخطوة اللاحقة، على رقعة الشطرنج، والتي صارت "النقلة" فيها لدى "حزب الله"، خصوصاً أنّ المناخ السائد في إسرائيل حالياً في انتظار طبيعة الردّ على هجومَي الضاحية وعقربا، أي أنّ "حزب الله" بات يمتلك وحده قدرة تحديد قواعد اللعبة، أقلّه في الجولة الحالية.
هنا يبدو السؤال محدَّداً، وهو يتردّد اليوم على لسان الجميع: هل الحربُ حتميّة؟
للاجابة عن السؤال، ثمّة حاجة إلى إعادة ترتيب قطع "البازل" في المشهد منذ البداية:
ليل 24-25 آب، تحطمت طائرتان بدون طيار في الضاحية الجنوبية. كانت الطائرتان المتوفّرتان تجارياً في الواقع من النوع نفسه الذي استخدمته إسرائيل من قبل. لم تطالب إسرائيل بطائرتها التي سيطر عليها "حزب الله"، وهي لم تؤكد، بطبيعة الحال، حتى الآن رسمياً المسؤولية عن الهجوم، وعلى الأرجح أنها لن تعلن عن مسؤوليتها، طالما أنّ عمليّتها لم تحقق هدفها المفترض، الذي لا يزال غير واضح حتى الآن، إلّا لدى المستويات العليا في إسرائيل، وكذلك عند "حزب الله".
هكذا نقلت إسرائيل التوتر الى مستوى جديد يتجاوز حدود الاشتباكات المعزولة منذ عام 2006، حين تجنّبت توجيه ضربة ضد "حزب الل" مباشرة في لبنان إلى حدّ كبير بسبب الخطر الكامن وراء تصعيد خطير، حيث يمكن أن يفترض "حزب الله" أنّ أيّ ضربات هي مجرد الموجة الأولى من هجوم مفاجئ قد يؤدي إلى ضرب صواريخه الرئيسة وغيرها من البنى التحتية، ما يستدعي الردّ السريع، وبالتالي الذهاب إلى الحرب.
وفي الواقع فإنّ التوترات بين "حزب الله" وإسرائيل وحدها هي من العوامل التي تؤدي الى انفجار حرب شاملة، فكيف الحال وهي مقترنة اليوم بزيادة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تبدو إسرائيل طرفاً مباشراً فيها اليوم، والدليل هجوم الضاحية وما سبقه من هجمات في سوريا والعراق.



