عندما قال الرئيس سعد الحريري في واشنطن "لا نستطيع تغيير موقف الإدارة الأميركية من العقوبات ضد حزب الله"، تولّى كثيرون إكمال العبارة كالآتي: "ولا نستطيع تغيير علاقة حزب الله مع إيران". وقبل أن يطلق رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع تحذيره من منطق الأمين العام لـ "الحزب" حسن نصرالله بـ "زج لبنان في حرب قد تندلع بين اميركا وإيران"، بثّت قناة "المنار" شريطاً لصواريخ إيران داخل مستودع لـ "الحزب". في العراق باتت صواريخ ايرانية مماثلة لدى "الحشد الشعبي" مشكلة للأميركيين إذ أيقنوا أنهم لا يستطيعون "تغيير التجذّر الإيراني في العراق من خلال الحشد"، لذا فهم يتركونه هدفاً لهجمات إسرائيلية، كما هي الحال أيضاً في سوريا. وفي هاتين الحالين تفضّل إيران السكوت لأن الإسرائيليين لا يهدّدون وجودها ودورها.
تعمّد "حزب الله" اخراج الصواريخ الى مزيد من العلن تمشّياً مع مغادرة طهران تحفّظها عن ابراز علنية تدخّلاتها وسيطرتها في "العواصم الأربع"، إذ استقبل المرشد علي خامنئي وفداً من جماعة الحوثيين، ثم أُعلن عن اعتماد "سفير" حوثي في طهران، بتجاهل تامٍّ للحكومة اليمنية الشرعية وبالتزامن مع تهميش إضافي تعرّضت له بفعل انقلاب انفصاليي الجنوب عليها، وتجدر الإشارة الى أنه سبق لإيران أن تعاملت مع معظم قادة الانفصاليين وسلّحتهم. وهكذا فإن ظروف المواجهة مع اميركا لم تعد تُلزم طهران بأي تحفظات خادعة يستخدمها محمد جواد ظريف من قبيل أن "لا وجود لإيران على الأرض" في اليمن، ثم أنه بات في مصلحتها أن تجهر بما لديها من نفوذ هنا وهناك تحسّباً لأي مفاوضات قد تحصل مع الولايات المتحدة.
في بيروت أراد نصرالله أن يتحدّى الأنباء الواردة من واشنطن عن عقوبات آتية ضد قادة "الحزب" وحلفائه، ومن كانت عقيدته خدمة الولي الفقيه ولديه ترسانة صواريخ لا يرهبه تدمير لبنان واقتصاده ولا يهتم حتى لو أفلس أقرب الحلفاء إليه. فبعد حرب 2006 قاد البلد الى أزمة سياسية واقتصادية تهرّباً من محاسبة داخلية، وتركه على شفير الهاوية، حتى الآن. وحين دفع بمقاتليه الى سوريا كان يعلم يقيناً أنه سقط أخلاقياً لكنه استعدّ لاستخدام هذا السقوط في ترهيب الداخل، تهرّباً أيضاً من أي مساءلة. لم تعد حربه الحقيقية ضد إسرائيل بل ضد اللبنانيين، وهذا يفي لإسرائيل بأحد أهدافها. مع كل صاروخ يدخل مستودعات "الحزب" يفقد لبنان بعضاً آخر من استقراره ويتزايد الفقراء العاطلون عن العمل والراغبون في الهجرة. وبالنسبة الى الشباب أصبح واضحاً أنه كلما ضاعف "حزب الله" تسلّطه تضاءل الأمل في المستقبل. لعل أكثر ما استطاع نصرالله تأكيده أن مايك بومبيو لم يخطئ حين قال أن "الحزب" يشكّل "تهديداً للبنان". الأكيد أنه ليس تهديداً لأميركا أما تهديده لإسرائيل فكلفته على لبنان أعلى.
عبد الوهاب بدرخان - النهار