عندما يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران لم تربح حرباً على الإطلاق، لكنها لم تخسر أي مفاوضات، يقصد خصوصاً انتقاد إدارة سلفه الرئيس السابق باراك أوباما التي ارتأت توقيع الاتفاق النووي مع طهران الذي يعتبره أسوأ اتفاق في تاريخ أميركا، ويرى فيه مكاسب لطهران أكثر مما للدول الأخرى الموقعة له وللعالم.
لعل ترامب محق في أن خطة العمل المشتركة الشاملة تشوبها عيوب، وحتى الديموقراطيون أنفسهم باتوا يقرون بأنها أعطت إيران أكثر مما أخذت منها. وقد لا يكون ترامب مخطئاً في الاعتقاد أن حنكة محمد جواد ظريف تفوقت على ديبلوماسية جون كيري لتنتزع اتفاقاً تجاهل أموراً كثيرة وخطيرة. لكنّ الرئيس الأميركي يخطئ في الاعتقاد أن سياسته الراهنة والرسائل المتناقضة التي يبعث بها إلى الجمهورية الإسلامية يمكن أن تحقق نجاحاً أكبر مما حققه سلفه.
لا شك في أن استراتيجية "الضغط الاقصى" ألحقت أذى كبيراً بالاقتصاد الإيراني، وهو ما يظهر جلياً في المؤشرات الاقتصادية لإيران. وشكل هدف تصفير الصادرات النفطية ضربة موجعة لطهران. وحتى الان عجزت الدول الاوروبية الحليفة لترامب، كما الصين وروسيا، عن مد طهران بــ"شريان حياة".
في المقابل، يجب الاقرار بأن طهران رفعت تكاليف المواجهة لا لترامب وحده، وإنما ايضاً لحلفائه في المنطقة وأوروبا. وهي تبدو مستعدة للذهاب أبعد من احتجاز ناقلات نفط أو مهاجمة سفن ما دامت مقتنعة بأن ترامب الذي يعد نفسه بالعودة الى البيت الأبيض على صهوة مؤشرات اقتصادية داخلية مشرقة، لن يندفع في مواجهة عسكرية تقوض حظوظه الرئاسية.
أما القول بأن إيران لم تربح أي حرب، فهو يتجاهل مكاسب عسكرية قد تفوق أهميتها لطهران، الحروب الكبيرة.
منذ الغزو الأميركي للعراق، تسللت طهران الى المنطقة وأرست لها مواطئ قدم من لبنان الى اليمن مروراً بالعراق وسوريا. وبعدما نجحت في اختراق مؤسسات هذه الدول وإضعاف حكوماتها، ها هي تحصن اليوم جبهاتها الكثيرة فيها لاستغلالها في مواجهتها مع أميركا.
ففي سوريا، زار قائد "فيلق القدس" الجنرال قاسم سليماني الاسبوع الماضي معسكرات المجموعات التابعة لبلاده في البوكمال طالباً منها، استناداً إلى مواقع سورية معارضة، الاستعداد لحرب محتملة مع أميركا. وفي العراق، تبين أن القاعدة التي قصفتها اسرائيل قبل عشرة أيام تستغلها إيران لإدخال الأسلحة إلى سوريا ولبنان. وفي طهران، تجاوز المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي القطيعة مع حركة المقاومة الاسلامية "حماس" مستقبلاً للمرة الأولى منذ 2012 وفداً منها، حجز للحركة الخط الأمامي في الدفاع عن طهران.
إزاء كل هذا، يكون كلام ترامب أن ايران لم تربح أي حرب، في غير محله، ويصير الرهان على أمر كهذا مغامرة خطيرة لا لأميركا فحسب، وإنما للمنطقة أيضاً.
موناليزا فريحة - النهار



